محاولات الاستقطاب الأمريكي-الإيراني لسورية: الأبعاد والتوقعات

  • 21 مارس 2010

تضم منطقة الخليج مصالح حيوية واستراتيجية بالغة الأهمية تتمثل، كما هو معروف، في كونها مستودعاً لموارد الطاقة، مما جعلها منطقة استقطاب بامتياز، تتشابك فيها الأحلاف والمصالح لأطراف إقليمية ودولية. وقد تركزت محاولات فرض الهيمنة وتولي القيادة في المنطقة في الفترة الأخيرة بين إيران، التي لا تخفى تطلعاتها وطموحاتها الإقليمية ورغبتها المعلنة بالاعتراف بها قوة إقليمية عظمى في المنطقة، وبين الولايات المتحدة التي تعمل دوماً على محاولة إزاحة القوى الإقليمية والدولية التي تحاول أن تزاحمها أو تتحدى سياساتها، وفي مقدمتها إيران. وقد تولدت عن ذلك هواجس أمنية دائمة وتهديدات قائمة، اكتسبت أبعاداً جديدة مع تمسك طهران بخططها الخاصة بتطوير برنامجها النووي، وتصاعد مواقفها المتشددة تجاه الغرب، وتعقد أزمتها مع المجتمع الدولي لغموض أهداف مشروعها النووي، ما أوجد بيئة إقليمية غير مستقرة وجاذبه للمزيد من عمليات الاستقطاب.

وقد استفادت إيران كثيراً من السياسات الأمريكية في تعزيز مكانتها وتوسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية. فالحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان في سياق ما عرف باسم الحرب على الإرهاب أسفرت عن إسقاط نظامين معاديين للنظام الإيراني لعبا دوراً مهماً في السابق في احتواء طموحاته الإقليمية واستبدالهما بنظامين آخرين صديقين لإيران، التي نجحت في تعزيز نفوذها داخل هذين البلدين بشكل غير مسبوق، واستقطاب مزيد من الحلفاء الإقليميين الذين كانوا يخضعون لضغوط الإدارة الأمريكية السابقة وتهديداتها المستمرة وانحيازها الصارخ لإسرائيل، وفي مقدمتهم سورية وقوى المقاومة العربية المتحالفة معها، ولاسيما حزب الله اللبناني وحركة حماس. 

وبفضل شبكة تحالفاتها الإقليمية أصبحت إيران لاعباً مهماً في كل تفاعلات المنطقة وأزماتها الساخنة، ولاسيما القضية العراقية والأزمة الداخلية في لبنان وتطورات القضية الفلسطينية بشكل خاص والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام، وعملت على محاولة توظيف هذه القضايا لخدمة مصالحها الوطنية والإقليمية وبخاصة مشروعها النووي. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية السابقة للحد من النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، والذي بدأ يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، فإنها لم تتمكن من اتخاذ خطوات فاعلة في هذا السياق، ولاسيما مع تعثرها في المستنقعين العراقي والأفغاني.

ومع تسلم إدارة أوباما السلطة تغير النهج الأمريكي في التعامل مع إيران؛ حيث قررت واشنطن انتهاج الطرق الدبلوماسية والتفاوضية بدلاً من النهج القائم على التهديد الذي كانت تتبعه إدارة بوش من أجل إقناع إيران بالتوقف عن طموحاتها النووية، لكن الحوار لم يؤد إلى نتيجة إيجابية مع تمسك طهران بمواقفها والإصرار على المضي قدماً في مشروعها النووي، الذي أصبح يمثل قضية شعبية يعني التنازل عنها تعريض النظام الإيراني لمخاطر سقوطه من الداخل، الأمر الذي دفع إدارة أوباما إلى البحث عن طرق أخرى للضغط على إيران، مثل التحرك لتشديد العقوبات المفروضة عليها، ومحاولة عزلها إقليمياً.

وضمن هذا السياق سعت واشنطن إلى فك ارتباط الأطراف الفرعية المتحالفة مع إيران (سورية وحزب الله وحماس) والتحكم في ردود فعلها، لأحكام عزل المركز (إيران) وإضعاف تأثيره وربما استهدافه إذا اقتضى الأمر. وعلى الرغم من أن سورية مازالت مدرجة ضمن لائحة الدول المتهمة بالإرهاب، فقد بادرت واشنطن برفع التحذير من السفر إليها، وتوالت زيارات كبار المسؤولين الأمريكيين والغربيين إلى دمشق، كما أعادت واشنطن النظر في جدوى سياسة المقعد الدبلوماسي الخالي في سورية، والتي استمرت قرابة خمس سنوات، وقامت بتعيين روبرت فورد سفيراً لها في دمشق، كما بادرت مؤخراً بإبداء عدم معارضتها لانضمام سورية لمنظمة التجارة العالمية، بهدف إعطاء دمشق مؤثرات إضافية على رغبة واشنطن في تغيير نمط علاقاتها معها بشكل إيجابي.

وخلال مناقشة الكونجرس لبعض جوانب ميزانية وزارة الخارجية كانت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، أكثر وضوحاً؛ حيث قالت بأسلوب اتسم بعدم مراعاة حساسية الطرف السوري، لما يمكن تسميته بسياسة الإملاء العلنية "إن واشنطن ترغب في أن تبدأ دمشق بالابتعاد عن إيران التي تتسبب في اضطرابات للمنطقة وللولايات المتحدة" ثم تابعت قولها "أكدنا للسوريين أهمية الحاجة إلى مزيد من التعاون حول العراق ووقف التدخلات في لبنان، ونقل السلاح أو تسليمه إلى حزب الله واستئناف المحادثات الإسرائيلية-السورية". وفي حديث صحفي أجرته معه صحيفة "الحياة" في الثامن من مارس الحالي قال جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، "إن الإدارة الأمريكية ملتزمة بإصلاح العلاقة مع دمشق، ونتطلع إلى وصول سفيرنا إليها بعد موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه كي يتطرق إلى المسائل التي تهمنا مع الحكومة السورية"، ثم استخدم نقطة جاذبة لسورية عندما قال: "سنرى ما إذا كان ممكناً وضع علاقتنا على أسس جديدة والتحرك قدماً في مسار السلام الإسرائيلي?السوري".

وفي البداية تعاملت سورية مع التحركات الأمريكية للتقارب معها بإيجابية. فدمشق، وإن كانت لا تمتلك المقومات الكافية التي تجعلها تتعامل بندية كاملة مع طهران، فإنها مع ذلك تحتفظ لنفسها بهامش لحرية الحركة السياسية، وعلاقاتها يغلب عليها الطابع النفعي المصلحي، وهي لديها نوع من الليونة السياسية ورغبة في تفعيل المسار التفاوضي السوري-الإسرائيلي، ومن ثم بدأت تحدث تغييراً مرحلياً وتكتيكياً لبعض توجهاتها الإقليمية، انعكس في تعاونها الملموس مع مختلف الفرقاء في لبنان وانفراج أزمته، وبذل جهد أكبر في مراقبة حدودها الطويلة على العراق، وغيرها من مواقف التهدئة المرحلية. ونجحت دمشق على هذا النحو في إعطاء انطباع أولي أوحى بالاستعداد لتقديم المزيد لو توافرت ظروفه وشروطه، ودون أن تبتعد كثيراً عن مضمون خطابها السياسي، أو أن تتحرر من بعض قيوده الأيديولوجية.

غير أن تصريحات هيلاري كلينتون فعلت فعلها في إثارة حساسية سورية وذكرتها باللغة السياسية التي كانت إدارة جورج بوش الابن تستخدمها في مخاطبة الدول العربية، كما أثارت أيضاً إيران ودفعتها للتحرك استباقاً لتطور الأحداث وإغلاق باب المزادات السياسية والإغراءات الإقليمية والدولية التي تهدف إلى حث القيادة السورية على إعادة التفكير في تحالفها مع إيران. ولم يتأخر الرد السوري-الإيراني كثيراً؛ حيث عقد الرئيسات السوري والإيراني قمة في دمشق يوم 25 فبراير الماضي، ضمت أيضاً السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، وتم خلالها الإعلان عن إلغاء تأشيرات الدخول إلى البلدين، وتوقيع اتفاق للتعاون الدفاعي بين دمشق وطهران (يذكر أنه سبق توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بينهما في 16/6/2006)، وأكد الطرفان دعم المقاومة (عُقد مؤتمر لدعم المقاومة الفلسطينية في طهران بعد أيام معدودة من قمة دمشق)، كما أيد بشار الأسد الموقف الإيراني بشأن أزمة ملفها النووي مع المجتمع الدولي. وبشكل عام أكدت هذه القمة أن التحالف الاستراتيجي بين دمشق وطهران سيستمر، وأن سورية لن تضحي بعلاقاتها القوية مع طهران مقابل وعود لا يوجد لها أية ضمانات.

تحركات واشنطن في هذا الاتجاه (أي محاولة فك الارتباط بين إيران وسورية) تجيء في أغلب الأحوال بالتنسيق الكامل مع إسرائيل التي لا تنسى دور إيران في دعم حزب الله -عبر سورية-  خلال الحرب على لبنان عام 2006، والتي زعزعت نتائجها العقيدة الأمنية الإسرائيلية. غير أن التحركات الإسرائيلية في هذا السياق تتبنى نهجاً مزدوجاً، تارة بالتلويح بحرب ضد سورية، وتارة أخرى بالتلويح بإمكانية استئناف المفاوضات غير المباشرة معها. ففي مرحلة ما ترتفع حدة الخطاب الحربي الإسرائيلي تجاه سورية، مثلما حدث منذ أسابيع قليلة عندما حذر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان الرئيس السوري من أنه قد يفقد سلطته إذا دخلت بلاده في حرب مع إسرائيل. وفي مرحلة تالية نجد أن إسرائيل تحاول الابتعاد تكتيكياً عن سياسية "الجمود الاستراتيجي" التي تبنتها طوال الفترة الماضية تجاه سورية لجذبها بعيداً عن حليفها الإيراني، على نحو ما عبر عنه إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي في محاضرة له بواشنطن (مارس الحالي)؛ حيث قال: "إن وضع نهاية للصراع مع سورية هو أمر استراتيجي لإسرائيل، وأي قرارات يجب اتخاذها من الجانبين تمثل فرصة أكثر مما هي تهديد، إذا قمنا بتوجيهها بحكمة"..

إن المؤشرات القائمة تؤكد أن الرهان الأمريكي والغربي على فك الارتباط بين سورية وإيران سيفشل. فتوجهات السياسة الأمريكية-الإسرائيلية حتى الآن لم تشكل محفزات كافية، ولم تقدم ضمانات مقنعة يمكن أن تدفع القيادة السورية لإعادة قراءة أوراق علاقتها بإيران، بل على العكس تثير الشكوك السورية، ولاسيما في ضوء ما كشفته الممارسات الاستفزازية والعدوانية الإسرائيلية الأخيرة تجاه الشعب الفلسطيني ومقدساته، والتهديدات الإسرائيلية المستمرة للبنان.

لقد وضعت أمام القيادة السورية طاولة حافلة بفاتحات الشهية "المقبلات" الغربية والإسرائيلية، في بلد معروف بأنه خير من يقدمها، وظل القادة السوريون في انتظار الأطباق الرئيسية، لتذوقها لمعرفة إلى أي حد ستجعلهم يفضلونها على الأطباق الإيرانية. ويبدو أن فترة الانتظار قد تطول. فإسرائيل ما زالت عازفة عن الكشف عن أوراقها النهائية، وواشنطن غير قادرة على إحداث اختراق للموقف الراهن، كما أن سورية معروف عنها أنها تلعب أوراقها السياسية ببطء وحذر شديدين، وفق حسابات يختلط فيها المبدئي بالواقعي، أما إيران، التي تدرك طبيعة المخطط الأمريكي-الإسرائيلي، فتتحرك بفاعلية في اتجاه دفع سورية إلى التمسك بخيار التحالف معها، وهو الخيار المفضل لدى السوريين حتى الآن.

ومن هنا ستظل لعبة الشطرنج السياسية متواصلة بين قطبي الاستقطاب، طهران وواشنطن، وستظل معها الأوضاع الإقليمية في حالة سيولة سياسية، يصعب معها التعرف عن يقين على اتجاه مسارها النهائي.

Share