محاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية ضرورة ملحة

  • 29 أغسطس 2018

بعد طول انتظار صدر التقرير النهائي لبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن عمليات التطهير والإبادة ضد أقلية الروهينجا في ميانمار؛ وقد أكد التقرير النهائي الذي يقع في 20 صفحة، والذي أعده خبراء دوليون محترفون ومستقلون أن جيش ميانمار ارتكب عمليات قتل واغتصاب جماعي في حق مسلمين من الروهينجا «بنيّة الإبادة الجماعية » وأنه ينبغي محاكمة القائد الأعلى للجيش وخمسة جنرالات بتهمة التخطيط لأفظع الجرائم المنصوص عليها في القانون.

وبرغم أن ما توصل إليه التقرير كان متوقعاً على نطاق واسع، حيث سبق أن وثقت منظمات حكومية وغير حكومية ووسائل إعلام مختلفة محلية وإقليمية وعالمية جرائم الحرب والفظائع غير المسبوقة التي ارتكبت بحق شعب أعزل؛ فإن التقرير على درجة كبيرة من الأهمية، فهو: أولاً، يضم أدلة دامغة على تورط قيادة الجيش وجنرالاته بالجرائم المرتكبة. وثانياً، يؤكد بشكل لا لبس فيه أن ما كان يجري في ميانمار كان سياسة إبادة جماعية منظمة، حيث كانت النية مبيتة للقضاء أو التخلص من أقلية الروهينجا لأسباب عرقية ودينية؛ وهذه من أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق البشر؛ ومن النادر ما تستخدم الأمم المتحدة الوصف المنصوص عليه في القانون الدولي بهذه الصراحة والوضوح، برغم أنها سبق أن استخدمته في حالات أخرى نادرة في دول مثل البوسنة ولوصف حملة تنظيم داعش على اليزيديين في العراق وسوريا. وثالثاً، أكد التقرير تورط الحكومة في عمليات الإبادة؛ فقد أثبت المحققون بالأدلة والوثائق أن الحكومة التي توصف ب «المدنية » والتي ترأسها أونج سان سو كي، حاملة جائزة نوبل للسلام -للأسف- سمحت بانتشار خطاب الكراهية ودمرت وثائق وفشلت في حماية الأقليات من الروهينجا وغيرها من جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتكبها الجيش في ولايات راخين وكاتشين وشان؛ بل وأفاد التقرير بأن الحكومة ساهمت ب «تفويض ارتكاب فظائع ». وهذا أمر خطير ويستوجب المحاكمة أيضاً؛ فالمخطط والمساعد شريك أصيل في الجريمة؛ وكما يطالب التقرير بمحاكمة قائد الجيش وجنرالات خمسة تم ذكرهم بالاسم، فيجب أيضاً محاكمة الحكومة التي يفترض أن من بين مهامها حماية الناس لا المشاركة في قتلهم وإبادتهم؛ فما أظهره التقرير في هذا الشأن سابقة خطيرة؛ صحيح أن الإبادة الجماعية ارتكبت من قبل في دول أخرى وبتخطيط ومساعدة من الحكومات التي كانت قائمة آنذاك، كما في حالة البوسنة والهرسك مثلاً، ولكن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تكون فيها حكومة ترأسها شخصية حاصلة على جائزة نوبل للسلام شريكة في جرائم من هذا النوع التي يندى لها الجبين. فليس إذن أقل من المحاكمة؛ وعلى أقل تقدير سحب الجائزة؛ فلا يعقل أن يحصل شخص ما على جائزة بهذا المستوى بسبب دفاعه عن حقوق الإنسان وتكريماً له على ما تعرض له من انتهاكات بسبب القمع والاستبداد، ومن ثم يقوم هو أو يشارك بأشكال مختلفة في ارتكاب جرائم أفظع وأشنع. ولطالما حذر المجتمع الدولي الحكومة في ميانمار وطلب منها أن تحمي الناس؛ وإذا بها تقوم بالعكس، حيث كانت تساعد في إرهاب أقلية الروهينجا وتغض بشكل متعمد الطرف عن الجرائم بهدف التخلص من هذه الأقلية التي تعيش على أرض ميانمار منذ عشرات السنين.

إذن نحن أمام تقرير على درجة كبيرة من الأهمية، وهناك الآن حاجة ماسة للإسراع في محاكمة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة؛ من أجل إنصاف أولئك المظلومين الذين صنفتهم الأمم المتحدة منذ سنوات الأقلية الأكثر اضطهاداً في العالم؛ وكذلك لردع كل من تسول له نفسه القيام بأعمال الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالعقوبة أساس في منع الجريمة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة سبق أن دعت إلى ضرورة حماية شعب الروهينجا وقدمت ما تستطيع لمساعدته، وطالبت مراراً بمحاسبة مرتكبي الجرائم ضدهم؛ وهذا التقرير يوفر الأدلة الكافية لإدانة مرتكبي الجرائم بحق الروهينجا؛ فما تضمنه التقرير من شهادات ووثائق وتسجيلات يثبت بشكل قاطع جريمة الإبادة الجماعية. ولكن حتى يكون لهذا التقرير أهمية بالفعل فلابد أولاً من الضغط الحقيقي على حكومة ميانمار لوقف الجرائم ضد الروهينجا. وثانياً، المباشرة في محاكمة كل المتورطين، وهذا يعني ضرورة أن يتحرك المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، من أجل محاكمة قائد الجيش والجنرالات الخمسة الآخرين، وكذلك الحكومة، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الذي يستحقون.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات