محادثات جنيف حول الدستور السوري.. حدود النجاح والفشل

  • 31 أغسطس 2020

انفضّت جولة المحادثات الأخيرة حول الدستور السوري بين وفدي الحكومة والمعارضة من دون تحقيق تقدّم ملموس، ومن دون الاتفاق على موعد لجولة جديدة، أو الموضوعات التي يمكن أن تناقَش حال انعقاد مثل هذه الجولة؛ الأمر الذي يطرح تساؤلات كثيرة حول مستقبل هذه المحادثات.

فشلت المحادثات التي اختتمت في جنيف، أول من أمس السبت ، حول الدستور السوري بين وفدي الحكومة والمعارضة، في تحقيق تقدم ملموس، وانتهت من دون الاتفاق على موعد لعقد جولة جديدة، أو على فحوى المناقشات التي يمكن أن تجرى حال انعقاد هذه الجولة، ولكن موفد الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، صرح بأنه تلقى رسالة واضحة من جميع الأطراف بأنهم حريصون على الاجتماع مجدداً، وهو ما اعتبره أمراً «مشجعاً».

وكانت هذه الجولة من المحادثات قد عُلّقت يوم الاثنين الماضي بعد أن ثبتت إصابة أربعة مشاركين فيها بفيروس كورونا إثر خضوعهم للفحص لدى وصولهم إلى جنيف. واستُؤنفت هذه المحادثات يوم الخميس الماضي عبر لجنة مصغرة تضمّ 45 شخصاً تم اختيارهم بالتساوي من جانب دمشق والمعارضة وبيدرسن، بهدف إشراك ممثلين للمجتمع المدني.

لكن عدم حدوث تقدّم ملموس في هذه المحادثات وعدم الاتفاق على موعد مقبل، لا يعنيان أن هذه الجولة كانت معدومة الأهمية، حيث أكد غير بيدرسن أن المشاركين وجدوا «نقاطاً مشتركة». وما يدعم هذه الفرضية تصريح لرئيس وفد المعارضة، هادي البحرة، قال فيه إنه في وقت «كانت هناك نقاط خلاف معيّنة (…) أعتقد أن القواسم المشتركة كانت أكبر من الاختلافات». وبالإضافة إلى ذلك، فإن عقد هذه الجولة بحدّ ذاته كان حدثاً مهماً، ذلك أنها جاءت بعد تعطّل دام أشهراً عدة بسبب الخلافات حول جدول أعمال المناقشات وجائحة «كورونا». وكانت الجولة الثانية والأخيرة من محادثات اللجنة قد عُقدت أواخر نوفمبر الماضي، ثم تعثّر عقد محادثات جديدة بمبادرة من مبعوث الأمم المتحدة السابق ستيفان دي ميستورا، بسبب إصرار دمشق على إدراج الإرهاب في جدول الأعمال، في حين كانت المعارضة تطالب بمفاوضات حول انتقال سياسي.

ولا شكّ أن ما جرى في محادثات لجنة الدستور في جولة جنيف ربما يمثل إحباطاً لبعضهم، ولكنه يشكل خطوة في مسيرة طويلة لا بد أن تنتهي بالنجاح لحلحلة الأزمة السورية، لما تحظى به قضية الدستور من أهمية بالغة؛ ذلك أن مراجعة الدستور متضمَّنة بشكل بارز في القرار رقم (2254) الذي تبنّاه مجلس الأمن في ديسمبر 2015، وتأمل الأمم المتحدة أن تفسح هذه الآلية المجال أمام تسوية سياسية للنزاع في سوريا، الذي أسفر عن أكثر من 380 ألف قتيل منذ عام 2011. ولدى اللجنة، المؤلفة من 45 عضواً يمثلون بالتساوي الحكومة والمعارضة، كما سبقت الإشارة، تفويض لوضع دستور جديد يقود إلى إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

وبطبيعة الحال، فإن تطورات الواقع السوري لها انعكاساتها المباشرة على عمل اللجنة ومحادثاتها، ومن ثم، فإن وقف إطلاق النار في عموم الأراضي السورية يمكن أن يمثل دافعاً قوياً لتفعيل هذه المحادثات ووصولها إلى أهدافها المنشودة. ومن هنا، جاءت دعوة قوى المعارضة السورية الرئيسية بعد ختام المحادثات إلى المساعدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار على مستوى البلاد في الأشهر المقبلة لتمهيد الطريق أمام انتقال سياسي بعد حرب امتدّت ما يقرب من عشر سنوات.

وفي الواقع، فإن هناك تقدّماً ملموساً على هذا الصعيد، فاتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطّت فيه تركيا وروسيا في مارس الماضي في إدلب، التي تمثّل آخر معقلاً ما زال يسيطر عليه مسلحو المعارضة في شمال غرب سوريا، لا يزال صامداً إلى حد كبير، على الرغم من الانتهاكات. ولكن المطلوب من المجتمع الدولي، والدول الداعمة للطرفين المتحاربين في سوريا، الضغط عليهما من أجل التوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، ولو تحقّق ذلك فسوف يوفر فرصة لإطلاق العملية السياسية بوتيرة أسرع.

Share