محادثات أولمرت-عباس: تحضيرات للغوص في الأعماق

إبراهيم عبدالكريم: محادثات أولمرت-عباس... تحضيرات للغوص في الأعماق

  • 23 سبتمبر 2007

يبّين تتبع المسار المشترك لسلسلة محادثات رئيس الحكومة الإسرائيلية "إيهود أولمرت" ورئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، وجود نية للانتقال من شاطئ الموضوعات المطروحة إلى الغوص في مياهها العميقة؛ حيث تبلورت في الأشهر الأخيرة "استراتيجية مفاوضات" ترمي إلى دعم المحادثات بين الطرفين وتجنيد المساعدات والأجواء الإيجابية المساندة لها على المستويين الإقليمي والدولي. وتقوم الفرضية الكامنة خلف هذه الاستراتيجية -إلى جانب العمل حيال حركة "حماس"- على ضرورة البحث عن "بديل سلام"، عبر بناء خيار سياسي للسلطة الفلسطينية، يتم فيه تناول المسائل الجارية والكبرى في الوقت ذاته.

 ويبدو من التقارير المنشورة، أن "أولمرت" و"عباس" اتفقا على إجراء لقاءين أو ثلاثة حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ومواصلة السعي للتوصل إلى "وثيقة تفاهم" عامة (إعلان نوايا)، بين إسرائيل والفلسطينيين. ويرغب "أولمرت" في أن تكون هذه الوثيقة مكونة من صفحة واحدة تتضمن أربعة أو خمسة مبادئ متفقاً عليها بين الطرفين، وتمنح "أفقاً سياسياً للمعتدلين الفلسطينيين"، لتعرض على "المؤتمر الدولي" المقبل الذي دعا إليه الرئيس الأميركي "جورج بوش"؛ بحيث يكون المشاركون في هذا المؤتمر معنيين بالمصادقة عليها وتوفير الظروف الداعمة والمساندة للمسيرة السياسية. ويعتقد "أولمرت" بأنه في ظل غياب شريك فلسطيني ذي صلاحية، فإن الإمكانية الوحيدة للتقدم نحو التسوية لن تكون إلا بدعم دول المنطقة والأسرة الدولية.

 ويسود انطباع في إسرائيل وفي السلطة الفلسطينية بأن "وثيقة التفاهم" هذه ستكون عامة وغامضة، ولن تصف حلولاً تفصيلية لقضايا الحل النهائي (الدولة والحدود والقدس واللاجئون)، بل ستسمح للسلطة الفلسطينية بأن تمررها في الجانب الفلسطيني، وتسمح بحصول "أولمرت" على موافقة حكومته عليها وبالحفاظ على ائتلافه، وذلك عن طريق اعتماد "نهج كيسنجري"  يقوم على "الغموض البناء"، الذي يسمح لكل طرف بتفسير الوثيقة حسب احتياجاته، استناداً إلى الامتناع عن الحديث حول أية تفاصيل يمكن أن تحدث أزمة سياسية أو تؤدي إلى تفجير المسيرة السياسية. وبهذا يبدو الطرفان أمام "لعبة كلامية" تُمكّن كل طرف من فهمها كما يريد ومواصلة طريقه، بنفخ هواء ساخن في منطاد يُفترض به أن يساعدهما على التحليق.

 ومن المتوقع أن يصوغ "وثيقة التفاهم" هذه فريق مشترك مقلص من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، ثم تبدأ لاحقاً عملية أكثر اتساعاً تشمل قيام طواقم مهنية لغرض بلورة "اتفاق مبادئ" يتناول القضايا الرئيسة المرتبطة بالتسوية الدائمة، التي يفترض أن تشكل محور مداولات "المؤتمر الدولي". ومن غير الواضح حالياً كيف سيتم عرض الموضوع؛ كتصريح مشترك أم كبيان ختامي للرئيس "بوش".

 وعلى الرغم من أن التطور الأساس الذي شهدته المحادثات يتلخص بموافقة "أولمرت" على إدراج مسائل التسوية النهائية في "اتفاق المبادئ"، خلافاً لموقفه السابق القاضي بأن طرح هذه المسائل من شأنه أن يؤدي إلى تفجير المفاوضات، إلا أن التنفيذ سيتم بموجب "خارطة الطريق"، وهو ما يعني أن إسرائيل سوف تصر على حل منظمات المقاومة الفلسطينية أولاً، وعلى إقامة الدولة الفلسطينية على مراحل، ولن توافق على تنفيذ الحل الدائم دفعة واحدة، وبالتالي نجاح "أولمرت" بوضع "صمامات أمان" لدى الانتقال من المبادئ إلى الأفعال.

 وللإحاطة بطبيعة التفاهمات التي يمكن التوصل إليها، ومعرفة ما الذي وافق عليه "عباس" في الماضي، ومحاولة استغلال ذلك كسابقة للمحادثات الحالية، طلب مكتب "أولمرت" مؤخراً من رئيس "ميرتس" النائب "يوسي بيلين" الحصول على "وثيقة بيلين ? أبو مازن" التي تم التوصل إليها 1995، يوم كان "بيلين" نائب وزير الخارجية وكان "عباس" نائباً للرئيس "ياسر عرفات" في منظمة التحرير، وكانت أول محاولة من شخصيات رسمية من الجانبين اقتراح إطار لتسوية دائمة شاملة، ولكنها لم تر النور بسبب رفضها من قبل رئيس الوزراء "شيمون بيريز".

 وبما يشبه الاتصالات حول "اتفاق المبادئ"، يجري العمل حالياً على وضع "خطة أفق اقتصادي" ترسم أمام الفلسطينيين "الصورة الاقتصادية" للواقع عندما تقوم الدولة الفلسطينية. وفي إطار هذه الخطة يتم الإعداد بالتعاون مع الأسرة الدولية لـ"قائمة مشاريع اقتصادية استراتيجية" واسعة النطاق يتم تطبيقها مع إقامة الدولة الفلسطينية. وتركز إسرائيل بشكل خاص ضمن هذه الخطة على إقامة بنية تحتية للمياه والكهرباء، وتخطيط المدن في الضفة والقطاع، وإعادة ترميم وإصلاح أنظمة الصرف الصحي، فضلاً عن إقامة "ممر السلام" في أريحا. وتحاول وزيرة الخارجية الإسرائيلية "تسيبي ليفني" تقديم هذه الخطة بسرعة كبيرة، حيث عرضتها بالفعل على عدد كبير من وزراء الخارجية الأوروبيين خلال لقاءاتها معهم ومع كبار المسؤولين في أوروبا وفي الدول العربية، مؤكدة حاجة هذه الخطة إلى دعم المجتمع الدولي. ويبرز في الاتجاه ذاته النشاط الذي يقوم به مبعوث اللجنة الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط "توني بلير"، والذي يصب في إطار تفعيل "خطة الأفق الاقتصادي"، مع التشديد على بناء مؤسسات السلطة.

 وتمهيداً لهذه الخطة، عقد مؤتمر للسلام الاقتصادي، في باريس أوائل أيلول/سبتمبر الجاري، بحضور النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي "حاييم رامون" ووزير الاقتصاد الفلسطيني "كمال حسونة"، ونجح عشرون اقتصادياً إسرائيلياً وفلسطينياً بالتوصل إلى اتفاق أولي يرتب العلاقات الاقتصادية بين الإسرائيليين والفلسطينيين في إطار اتفاق دائم محتمل. ومع أنه لم تنشر تفاصيل هذا الاتفاق، غير أنه عُلم أن الاقتصاديين الأعضاء في الهيئة المسماة "مجموعة Aix"  قد بلوروا ثلاث أوراق مواقف تبحث في الموضوعات الاقتصادية المتعلقة بالمدى الفوري، مثل؛ التجارة بين إسرائيل والفلسطينيين، وتنمية سوق العمل الفلسطيني، وتنمية غور الأردن.

 ويجدر التوقف هنا عند التفاعلات الجارية على الساحة الإسرائيلية؛ فمن المرجح أن تشهد هذه الساحة توترات حزبية حادة لدى الانتقال من تمرير "وثيقة التفاهم" في الحكومة إلى طرح "اتفاق المبادئ" على الكنيست، حسبما تطلب أحزاب كثيرة في الائتلاف الحكومي والمعارضة على حد سواء. وحسب الأصول المعمول بها في إسرائيل، فإن أي اتفاق شامل يتعلق بصورة إسرائيل ومستقبلها وواقعها الصراعي، يستدعي مصادقة الكنيست عليه. وتأكيداً لذلك أطلع "أولمرت" المستشار القضائي للحكومة "ميني مزوز" على تفاصيل محادثاته مع "عباس"، وحدّد "مزوز" بأنه يجب على رئيس الحكومة أن يعرض الاتفاق مع السلطة الفلسطينية على الكنيست للمصادقة عليه، وفي حال اكتفى بتصريح مشترك أو بصياغة غير ملزمة، بالمقارنة مع اتفاق موقع عليه، فتكفي مصادقة الحكومة على ذلك.

 وقد لوحظ أن بعض أعضاء الكنيست من حزب "كديما" الحاكم أبدوا معارضتهم للخطوات السياسية التي يقوم بها "أولمرت" مع "عباس". وقطع الكنيست عطلته وعقد جلسة خاصة بمبادرة من أحزاب المعارضة اليمينية لبحث الاتصالات الجارية مع الفلسطينيين. وطالب أعضاء الكنيست المعارضون لاتخاذ خطوات سياسية كهذه "أولمرت" بأن يعرض أمامهم تفاصيل "اتفاق المبادئ" الذي تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن عزمه صياغته مع "عباس" لطرحه على "مؤتمر بوش" الدولي.

 وهناك إشكالية أخرى، تتعلق بالجانب الفلسطيني؛ إذ يجلس حول طاولة المفاوضات طرف ضعيف فقد عملياً السيطرة على قطاع غزة. ولهذا يرى مسؤولون إسرائيليون أن بلادهم واقعة في "مصيدة شرعية عباس لدى الجمهور الفلسطيني"، ونظرة قسم كبير من الفلسطينيين إليه كشخص متعاون مع الاحتلال، وأن التحدي الرئيسي في المفاوضات مع الفلسطينيين ليس التوصل إلى اتفاق مبادئ، أو التوقيع على أوراق، بل في قدرة "عباس" على فرض السيطرة بشكل فعلي على الأرض، وقصر استخدام السلاح على القوات التابعة له.

 وهنا تثار مسألة الفجوة بين القدرة على التوصل إلى اتفاق والقدرة على تنفيذه، في ظل معارضة "حماس". الأمر الذي ينذر بتأجيج الأزمة التي تستعر حالياً على الساحة الفلسطينية. وبذلك تتحول محاولة "عباس" للاشتراك مع الطرف الإسرائيلي في الغوص بحثاً عما يعتبره "صيداً ثميناً" إلى فوضى تنذر بتحطيم المراكب وتمزيق الشِباك، لتتوغل العلاقة بين السلطة و"حماس" عميقاً في نفق الأفعال ورود الأفعال.

Share