محادثات أديس أبابا وآفاق تسوية النزاع بين دولتي السودان

  • 25 يونيو 2012

اتسم المشهد السياسي في الفترة القصيرة التي سبقت استئناف مباحثات أديس أبابا بتصعيد وصل إلى حد المواجهة المسلحة بين طرفي الأزمة. وهي، وإن لم تصل إلى مستوى الحرب الشاملة، أدت إلى حالة من السخونة تهدد بالانزلاق إلى ماهو أخطر، الأمر الذي دفع مجلس الأمن الذي شعر بخطورة الوضع إلى مناقشة هذه الأزمة، واتخاذ القرار رقم (2046/2012)، الذي أكّد ضرورة تبني خريطة الطريق التي رسمها الاتحاد الإفريقي لحلّ الأزمة. وطالب القرار أطراف النزاع بوقف جميع الأعمال العدائية فوراً، وبسحب غير مشروط لجميع قواتها المسلحة من الحدود. وطالب، أيضاً، بتفعيل آليات أمن الحدود الضرورية، وبإقامة منطقة آمنة منزوعة السلاح. ودعا إلى التوقف عن دعم أي مجموعة متمردة ضد الدول الأخرى، واعتماد الجوانب المتعلقة بالاتفاق المبرم في 30/6/2011 بشأن الترتيبات المؤقتة للأمن في منطقة أبيي.

وطالب القرار الجانبين باستنئاف المباحثات بلا شروط تحت رعاية فريق الاتحاد الإفريقي، للتوصل إلى اتفاق بشأن أمور أربعة، هي: الترتيبات المتعلقة بالنفط وما يتصل بها من مدفوعات، ووضع رعايا البلدين المقيمين في البلد الآخر، وتسوية وضع المناطق الحدودية المتنازع عليها، والوضع النهائي لمنطقة أبيي.

وهذه القضايا الأربع تلخّص في مجملها جوهر النزاع. وقد استؤنفت المحادثات بين الجانبين برعاية الاتحاد الإفريقي يوم 4/6/2012 في أديس أبابا، أي بعد شهر من صدور قرار مجلس الأمن. إن مدى النجاح في حل هذه القضايا العالقة يعتمد على عدد من العناصر، هي: توافر الإرادة السياسية المشتركة لطرفي النزاع بحسم الخلافات بالطرق السلمية، وإمكانية الأخذ بالحلول الوسطية لهذه القضايا، وتوافر رغبة قوية وكافية لدى الأطراف الإقليمية المعنية، ودور المجتمع الدولي في دفع طرفي النزاع الى مسار التسوية السلمية، وسد فجوة عدم الثقة بينهما.

وعلى مستوى آخر تضمن قرار مجلس الأمن السابق نصّاً يحثّ بقوة حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان– الشمال، على التعاون الكامل مع فريق الاتحاد الإفريقي للتوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات على أساس الاتفاق الإطاري بشأن الشراكة السياسية المبرمة في 28/6/2011 بين حزب المؤتمر الوطني في السودان، والحركة، مع الأخذ بالترتيبات السياسية المتعلقة بولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان (الفقرة رقم 3 من القرار).

وقد بدأت جلسات المباحثات برئاسة ثابو مبيكي الرئيس السابق لجنوب إفريقيا، وانصب التركيز فيها منذ البداية على القضايا الأمنية، التي تعتبر في الواقع مفتاحاً لتسوية باقي المسائل المعلقة. وقد شارك في هذه المحادثات وزراء الدفاع والداخلية والخارجية وقادة الأجهزة الأمنية. واستمرت مناقشة المسائل الأمنية لمدة عشرة أيام إلا أنها تعثرت. ويعود ذلك إلى خلاف حول الخريطة الأساسية التي ستتم المباحثات على أساسها. فقد تقدّم وفد جنوب السودان بخريطة ضمت مناطق حدودية متنازعاً عليها، وطالب باعتمادها كمرجعية أساسية في النزاع الحدودي، فأبدى وفد السودان اعتراضه القويّ على ذلك؛ لأن هذه الخريطة في نظره تفتقد المرجعية المحلية ممثلة في تقرير لجنة الحدود المقدم للرئاسة، إضافة إلى افتقارها إلى اعتماد من الجهات الدولية المعروفة في رسم حدود البلدين. وأوضح وزير الدفاع السوداني أن الحدود بين البلدين كانت تستند أساساً إلى خريطة كانت تُستخدم على مدى السنوات الست الماضية، أي منذ توقيع الطرفين على اتفاق السلام عام 2005، واتهم الوزير نفسه جنوب السودان بضمّ خمس مناطق جديدة إلى حدودها، إضافة لتقدمه بمطالب جديدة، من بينها المطالبة بحقل "هجليج" النفطي.

وفيما يتعلق بالشق الخاص بالمباحثات بين وفد السودان والحركة الشعبية – الشمال، وصل رئيس الحركة مالك عقار وأمينها العام ياسر عرمان إلى أديس أبابا بناء على دعوة من مبيكي، وناقشا بصفة أولية بنود خريطة الطريق الإفريقية، وقرار مجلس الأمن بشأن التفاوض مع السودان لحسم الأزمة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. ونظراً لرفض الرئيس السوداني عمر البشير لاحقاً الاتفاق الإطاري الذي وقع بين الجانبين، لم يتسنَ إجراء مفاوضات استطلاعية مباشرة مع وفد الحركة. وقد تدخل رئيس الوزراء الأثيوبي ملس زيناوي لتسهيل هذه المحادثات، ولم تتبلور ملامح نتائج هذه الجهود بعد.

وفيما يتعلق بالتوقف عن دعم حركات التمرد في البلد الآخر، نفى الطرفان قيامهما بذلك، وهو ماتكذبه اختراقات الحدود المتكررة.
ومازالت المباحثات مستمرة. والمتابع للشأن السوداني يلاحظ أنه عندما تبدأ جولة من المباحثات يرفع كل طرف سقف طلباته، ويمارس كافة أشكال الضغط على الطرف الآخر، حتى يحقق الحد الأدنى منها. ومن هنا تأتي أهمية وجود الوسيط النزيه للتدخل في الوقت المناسب، وتقديم حلول وسط (compromise) لحلحلة المسائل العالقة المتعثرة بين الجانبين.
ولكن، ماذا عن المستقبل؟ يلاحظ بصفة عامة أن هناك عوامل ضاغطة على طرفي النزاع قد تجعلهما قابلين للتطويع، والرضا بالحلول الوسطى، والوصول إلى نقطة التوافق مستقبلاً.

أول تلك العوامل أن كليهما في مأزق سياسي صعب، وواقعٌ تحت ضغوط التداعيات السلبية لتسييس مسائل الموارد النفطية وإقحامها في العلاقات الثنائية. وثانيها أن الطرفين جرّبا طوال الفترة الماضية أسلوب المواجهة المسلحة التي استنزفت مواردهما المحدودة، وأدت إلى إرهاقهما السياسي والاقتصادي دون جدوى. وثالث تلك العوامل اضطرار حكومة الجنوب إلى إعادة النظر في سياستها المتعلقة بدعم حركات التمرد، فقد بدأت بإخراج بعض فصائلها على الرغم من نفيها لذلك، وهو الأمر الذي رحّب به الجانب السوداني. أما رابع تلك العوامل فهو أن سقوط القذافي أدى إلى توقف الدعم المالي والسياسي لبعض حركات التمرد التي كان يجري توظيفها في إبقاء حالة عدم الاستقرار في المناطق السودانية وبعض دول الجوار (تشاد). وخامسها الاتفاق الذي وقع مؤخراً بين حكومة السودان وحكومة تشاد، والذي من شأنه فرض مزيد من الحصار على حركات التمرد على الجانبين. أما سادسها فهو وجود رعايا لكلٍّ منهما في البلد الآخر، مما يشكل عامل ضغط إضافياً على الطرفين. والعامل السابع هو أن البلدين تعانيان من أزمة مالية وقضايا فساد، زادت من تأزيم الأوضاع الداخلية فيهما، مما يشكل عاملاً محفزاً على تقديم تنازلات متقابلة لتسوية النزاع. وثامن تلك العوامل حرص الوساطة الإفريقية، رفيعة المستوى، على التوصل إلى تسوية المشكلات العالقة بين البلدين؛ تجنباً لتداعيات الفشل في ذلك، لما لها من آثار سلبية على دول الجوار السوداني. أما العامل الأخير فهو أن القوى الدولية المعنية ليس من مصلحتها مرحلياً، في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي تسود العالم، زيادة التدهور في المنطقة السودانية، ولاسيما أن هناك بؤراً متفجرة في منطقة الشرق الأوسط مازال من الصعب التعامل معها، كالأزمة السورية، والملف النووي الإيراني، وتطورات ثورات الربيع العربي، وتأثيرها في خريطة العلاقات والمصالح مع هذه القوى. وهو مايزيد من الاعتماد على دور الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمة السودانية بشقيها.

كل العوامل التي ذكرناها تحفّز في مجملها الطرفين على تسوية النزاع بينهما. ومن هنا تأتي أهمية قرار مجلس الأمن، الذي وضع كافة عناصره، تحت مظلة الفصل السابع بين ميثاق الأمم المتحدة، وهو مايجيز مستقبلاً إمكانية استخدام القوة في حالة تعذر التسوية لسبب أو لآخر، وهو ما شكّل تحذيراً لطرفي النزاع، وحثَّهما على التسوية السلمية. وقد ظهرت بعض الدلائل على هذه التسوية، مثل سحب جنوب السودان لقواته من "هجليج"، وبالمقابل قام السودان بسحب قواته من منطقة أبيي. غير أن هناك بعض النقاط التي ظلّت عالقة، وتحتاج إلى معالجة خاصة لفتح آفاق التسوية السلمية بينهما. وفي مقدمة تلك النقاط أن الحكومتين، ولاسيما حكومة جنوب السودان، مازالتا غير قادرتين على فرض السيطرة بشكل كامل على أراضيها، مما يعطي حرية حركة لبعض فصائل التمرد للخروج عن الخط العام للتسوية. يضاف إلى ذلك قضايا اقتصادية ومالية واجتماعية عالقة، وفي مقدمتها قضايا اللاجئين، تتطلب دعماً خارجياً موازياً، لأنها تشكل بؤرة للتوتر وعدم الاستقرار. ومن الضروري تسوية المسائل النفطية ومدفوعاتها بأسرع وقت ممكن عن طريق التحكيم الفني حتى تحدث انفراجة تهيئ مناخاً مناسباً لحل باقي المشكلات العالقة. ومن الضروري أيضاً بذل جهود إضافية لتحقيق تسوية سياسية لحركات التمرد والمناطق المتنازع عليها؛ فالواقع القبلي والتاريخي والاجتماعي والجغرافي، يحتم على الطرفين التعايش، وإقامة علاقات حسن جوار وتكامل بينهما، من أجل المستقبل.

Share