مجتمع الإمارات وتغيّر البناء الاجتماعي

د.عبدالله العوضي: مجتمع الإمارات وتغيّر البناء الاجتماعي

  • 2 يوليو 2007

لم يعد مفهوم التغيّر الذي تشهده المجتمعات يقتصر على تلك التحولات التي تطرأ على عناصر أو سمات ثقافية محددة، ولكنه امتد ليشمل الكل العام، الذي نسميه البناء الاجتماعي، والذي يتكون من مجموعة من الأجزاء المرتبطة فيما بينها بمجموعة من العلاقات والروابط، والتي تسهم بدرها في تمايز هذا البناء الاجتماعي وتعزيز التماسك بين أعضائه، الذين يحتل كل منهم مركزاً معيناً، ويؤدي دوراً محدداً في الحياة الاجتماعية. وهذه التغيّرات لا تطرأ على أنماط معينة من العلاقات والنشاطات دون غيرها، وإنما تشمل كل الأنماط السائدة في المجتمع.

 ومثالاً على ذلك نجد أن ظهور النفط في مجتمع الإمارات العربية المتحدة أدى إلى حدوث تغيّرات جوهرية في كافة نظم المجتمع وعلاقاته، فقد تبدلت العلاقات القرابية التي تعتمد على العائلة الممتدة أو القبيلة، والتي كانت تحدد مكانة الشخص ومركزه، وظهرت متغيّرات جديدة أصبحت هي المحدد الرئيس لمكانة الفرد ومركزه، ومن أبرز تلك المتغيّرات، متغيّر التعليم، وظهور نمط الأسرة النووية التي ساعدت على إضعاف السلطة الأبوية القبلية وتغيير كثير من قيم الدور والوظيفة داخل الأسرة، كما أدى الانفتاح على العالم الخارجي إلى تغيّرات جوهرية في أدوار ومراكز أعضاء الأسرة، أهمها:

 1. التحول من نظام الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وارتفاع سن الزواج، الذي أدى بدوره إلى إضعاف التلاحم الاجتماعي بين جيل الأجداد والأحفاد، وانتشار ظاهرة العنوسة بين الفتيات.

 2. إعطاء المرأة فرصة التعليم شأنها شأن الرجل، مع تغير النظرة لمكانة المرأة ودورها، فبعد أن كان مجرد ذكرها في الماضي أمام الملأ يستتبع بعبارة "وأنت بكرامة" أصبحت تشارك بفاعلية في مختلف مناحي الحياة العامة، وانتقلت من المهانة والاحتقار عند البعض، إلى أن أصبحت هي عين الكرامة وذاتها، وكائناً بشرياً له رأي في حياته الخاصة وفي حياة الأسرة ككل. وعزز من ذلك ظهور تنظيمات نسائية (جمعيات) تدافع عن المرأة، وتقوم بدور اجتماعي بارز في المجتمع، فضلاً عن خروج المرأة إلى العمل، وهجران زيها التقليدي وتغير عاداتها وسلوكياتها مع قيادة السيارة والعمل في الشرطة وفي السفارات وفي الخارج. وبالتالي فلم يعد الأب هو العائل الوحيد للأسرة، وإنما ظهرت مشاركة الأم والأبناء في توفير متطلبات الحياة الأسرية. كما تغيّرت نظم الزواج، فلم تعد "العمومة" ملزمة إلى حد ما.

 3. تحلل البيئة القبلية في المجتمع، وإن كان (لقب القبيلة) مازال ذا صدى في التعاملات والحياة. وقد ساهم في ذلك تغيّر الأنشطة الاقتصادية للقبيلة، وسياسة التوطين التي تقوم بها الدولة، وتغيّر نمط الحكم العشائري إلى الحكم المدني، واضطلاع هذا الأخير بمهام القبيلة أو العشيرة.

 ولم يقتصر هذا التغيير على نطاق نسق الأسرة، بل ظهرت في مجتمع الإمارات شرائح اجتماعية لم يكن لها حضور قبل عهد البترول، مثل فئة ملاك العقارات والتجار والسماسرة، وقد كان لنمو هذه الشرائح تأثيرات سلبية؛ حيث ساعدت على ظهور نمط الاستهلاك الزمني بين الفئات والشرائح الأخرى، وهو ما يؤثر على نمط التنمية في المجتمع، فضلاً عن تقلص قيمة العمل اليدوي والتخلي عن قيم العمل المنتج. بالإضافة إلى ظهور فئة الموظفين الجدد من العمالة الوافدة، وهي شريحة جديدة رافقت عهد البترول؛ فقبل هذا العهد لم يكن هناك مؤسسات بالمعنى الصحيح، وبالتالي لم يكن هناك سوى أفراد قلائل يتولون مهام حماية الأمن ومعاونة حكام الإمارات في إدارة شؤون إماراتهم، لكن ظهور الدولة الحديثة وتطور مؤسساتها الإدارية اقتضى نمو عدد موظفيها بشكل كبير، ونظراً لندرة الأيدي العاملة من المواطنين، فقد احتاجت الدولة إلى عمالة وافدة، تدفقت في قطاعات الدوائر المختلفة.

 وقد لعبت هذه الشريحة الجديدة من العمالة الوافدة دوراً مهماً في تطور المجتمع، لاسيما وأن الكثير من أفرادها يتمتعون بمستويات مادية عالية، وبمستوى ثقافي مرتفع. ومع ذلك فقد كان لهذه الفئة تأثيراتها السلبية أيضاً، فما يحدث من منافسة بين أفرادها في الحصول على الوظائف المرموقة أدى إلى نوع من السلبية في العمل واللامبالاة بالمصلحة العامة من جانب بعض الموظفين الشباب. ومما ضاعف من خطورة هذا الوضع، وأدى إلى خلق هذا البناء الاجتماعي المعقد لمجتمع الإمارات، هو السرعة التي تم بها هذا التغيير، فقد تم ذلك في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز العقدين، وهذه الفترة غير كافية لحدوث التفاعل الاجتماعي والثقافي الإيجابي بين السكان الأصليين والوافدين، مما خلق فجوة كبيرة بين الجانبين، وتناقضاً واضحاً في التقاليد الاجتماعية والأخلاقية، تولد عنه حالة من التأخر الاجتماعي والتناشز البيئي، انعكست آثاره على سلوكيات المواطنين وأخلاقهم.

 ومن الطبيعي أن يكون لهذه العمالة تأثير كبير على النسيج الاجتماعي أو الثقافي للمجتمع، خاصة وأنها لا تشكل جماعة واحدة متجانسة، الأمر الذي أدى إلى شيوع هذا التنوع الثقافي والقيمي، وخلق حالة من الفوضى الاجتماعية والثقافية، سوف تنعكس على اللغة والعادات والتقاليد والقيم والسلوكيات الاجتماعية.

 لقد طفت على السطح العديد من المشاكل والضغوطات النفسية، مثل سيطرة النزعة الفردية، واشتداد الصراع بين القديم والحديث، وانتشار ظواهر التفكك الأسري، والرغبة في الوصول إلى الثروة والغنى بأسرع الطرق، والتكالب على اللذة، ودخول ثقافات مختلفة في المجتمع، وغير ذلك من الظواهر المصاحبة للتغيّر الاجتماعي السريع، والتي انعكست بوضوح على النسق القيمي للمجتمع الإماراتي.

 لاشك أن عمليات التحول والانتقال الكبيرة التي تعرض لها مجتمع الإمارات، لا تختلف في نتائجها عن نتائج الانتقال السريع الذي تمر به أي مجتمعات أخرى، فالانتقال عموماً يتميز بوجود الصراع بين القديم والجديد، وتكون القوى القديمة عادة أقوى في مراحل التغيّر، وأشد تأثيراً من القوى الجديدة الداعية إلى التجديد والتغيير، لذلك نشاهد دائماً أثناء مواكبة التغيير الاجتماعي في مختلف المجتمعات ظهور اتجاهات فكرية ثلاثة، هي: الاتجاه التقليدي المحافظ، والاتجاه المتحرر نسبياً، والاتجاه المؤيد والداعي إلى التغيير بكافة مظاهره. ودائماً ما ينشأ الصراع بين هذه الاتجاهات، التي يحاول كل منها أن يستخدم ما يجده من وسائل لتثبيت وجوده.

 وفي مجتمع الإمارات حدث ذلك، علماً بأن عملية التغيير مازالت قائمة ولم تصل إلى مستوى الرسوخ بشكل نهائي، فهذه العملية مازالت مستمرة، وتلاقي في بعض جوانبها مقاومة من جانب بعض الفئات الاجتماعية، ولكن ما نود تأكيده هنا هو أن الظروف والتحولات الاقتصادية التي نمر بها، لم تترك مجالاً للعودة أو لاستمرار المجتمع التقليدي القديم، فما يجري على الساحة الاجتماعية من تغيّرات يؤكد على ولادة المجتمع العصري الحديث، وما بروز المشكلات الاجتماعية المختلفة التي تطورت إلى بعض الظواهر الاجتماعية المعقدة إلا مؤشراً على هذا المخاض الذي يمر به مجتمع الإمارات.

Share