مترو دبي: نموذج للتفكير العصري

د. عبدالله العوضي: مترو دبي: نموذج للتفكير العصري

  • 28 أكتوبر 2009

يشكل مشروع مترو دبي الذي تم افتتاحه في 9/9/2009 تطوراً نوعياً فريداً، ليس فقط في دولة الإمارات، ولكن في المنطقة برمتها، فهو أول مشروع من نوعه يتم تدشينه في منطقة الخليج العربي، وأطول نظام مترو آلي (بدون سائق) في العالم، وهو يمثل بلا شك أفضل وسيلة نقل متوفرة على الساحة العالمية، وإضافة نوعية مهمة لوسائل المواصلات التي تجوب شوارع الدولة، والتي قهرت التحدي الذي تباكى عليه جمهور عريض من الناس المشتكين من أزمة اختناقات مرورية أخذت مساحة واسعة من اهتمام الإعلام المحلي في الدولة، ولا يزال صداها يتردد على مسامعنا حتى اللحظة.

ويشكل هذا المشروع جزءاً من النهضة العمرانية الحضرية الواسعة التي تشهدها الإمارات، والتي جعلت منها دولة متجددة باستمرار. فقد لا يخطر ببال الإماراتي نفسه، فضلاً عن القادمين إلي الدولة من كل بقاع العالم، المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا التطور المستمر الذي تشهده الدولة، والذي يتجسد في سلسلة متوالية من الإنجازات التي تمس حياة البشر في حراكهم المجتمعي. وهذه الإنجازات ما كانت لتتحقق لولا وجود "الرؤية" التي تقود تلك المشاريع نحو القفز على الصعوبات والتغلب أولاً بأول على التحديات التي قد تعيق تحقيق الإنجاز، ولولا حرص القيادة الواعية في دبي وأبوظبي وباقي إمارات الدولة على إضافة كل ما يمثل لمجتمع الإمارات نقلات تختصر فيها عمر البناء الحضاري لتكسب مواقع الريادة على الساحة العالمية.

إن القضية أكبر من مجرد مشروع قد يغير وجه الإمارة التي أدهشت في تحركها دولاً ومجتمعات تركد على حالها على الرغم من وفرة المال الغزير فيها، فالأمر يرتبط بمجتمع يصر قادته على الخروج به من أسر "الاعتياد" إلى دائرة الابتكار والتفرد في شتى المجالات، فالبعد عن الأساليب التقليدية واللجوء إلى الحلول المبتكرة والمبدعة في مواجهة المشكلات هو الذي ساعد الإمارات على تحقيق انجازات غير محدودة في زمن محدود، ولم يكن ذلك بطريق المصادفة، وإنما وفق استراتيجيات تخاطب المستقبل في الزمن الحاضر.

وعندما نقول بإصرار إن هناك تصوراً واضحاً واستراتيجية مفصلة على المقاس الذي يناسب مكانة دولة الإمارات في ترقيها سلم العالمية، فإننا نعني ما نقول. فلم تعد المحلية، ولا الإقليمية هاجساً أمام الإمارات، بل تحولت الهواجس كلها إلى خانة الريادة العالمية، حتى لو كان الأمر يتعلق بشيء يخص الشأن المحلي بكل تفاصيله وفسيفسائه. فالدولة تعيش اليوم فرصتها السانحة لإثبات ريادتها المتخطية للحدود الإقليمية في مشاريعها العملية، والتي تشارك فيها كثيراً من دول العالم المتقدم.

لا شك في أن تدشين مشروع المترو قد جاء تلبية لاحتياجات محلية ملحة، فقد فرضت النهضة العمرانية التي تشهدها دبي والدولة عموما تبني أساليب غير تقليدية لمواجهة المشكلات التي يمكن أن تنتجها تلك النهضة وفي مقدمتها المشكلات المرورية، فكان التركيز في البداية على إنشاء الجسور والأنفاق وتطويرها، والتي تهدف إلى تطوير البنية التحتية وتيسير الحركة المرورية، ومع استمرار هذه الأزمة المرورية كان لا بد من تدشين هذا المشروع الحضاري، الذي يهدف، بحسب المسؤولين، إلى تحقيق أمرين: الأول هو تحقيق الانسيابية المرورية، ومن ثم تقليل حجم الخسائر التي تتكبدها الدولة سنوياً بسبب الازدحام المروري، والتي تصل إلى خمسة مليارات دولار. والثاني، هو تقليل التلوث والحفاظ على البيئة من خلال تقليل عوادم السيارات والاعتماد على وسائل نقل جماعية لا تسبب تلويثاً للبيئة؛ حيث يعتمد المترو في تشغيله على الكهرباء النظيفة. ولا شك أيضاً أن إنشاء مؤسسة خاصة بالقطارات على مستوى الدولة سيصب في تحقيق الأهداف ذاتها، فضلاً عن تعزيز أواصر الارتباط بين إمارات الدولة، وبالتالي فإن نجاح تجربة مترو دبي سيمثل مؤشراً مهماً على نجاح مشروع شبكة السكك الحديدية المزمع إقامتها في الدولة.
 
نعود إلى نقطة حاسمة كادت أن تودي بالآمال نحو القاع وتتعلق بمن راهنوا على أن هذا المشروع، مترو دبي، لن يرى النور على أساس أن الأوضاع المالية والاقتصادية ليست على ما يرام. وكان الافتتاح في 2009/9/9 رداً لائقاً لمن أراد أن يلقي باليأس في قلوب المتحمسين لكل ما يعزز من قيمة التنمية الحقيقية لدولة تسعى إلى المجد والعزة بأدوات العصر، التي من خلالها تتحطم أطنان اليأس على تلال الأمل في غد أكثر إشراقاً يخرج من بطن الأزمات والتحديات نموذجاً لمشروع أروع مما كان مخططاً له. ولا ضير في ذلك؛ لأن الحلول الصعبة أحياناً هي التي تفك الأزمات الخانقة، المرورية وغيرها.

تری أين الزحام الذي كنا نسمع عنه منذ فترة وجيزة في شوارع دبي، مع أن في وجوده جزءاً من منظومة المدن العصرية ابتداء من نيويورك إلى بانكوك؟! لقد دبت عبر هذا الشريان الجديد حياة حضارية أخرى في قلب العاصمة الاقتصادية للدولة، وألقت بظلال من الطمأنينة والثقة على كل القاطنين في دبي خاصة، والدولة بشكل عام، وبدخول أفواج من البشر إلى القاطرات التي تحمل يومياً الألوف من السكان إلى وجهات مختلفة مع أن القدرة التشغيلية الآن لم تتعد الخط الأحمر، يتضح للجميع أن من كانوا يحاولون زرع اليأس في النفوس سيصابون بخيبة أمل كبيرة. تری ماذا سيكون موقفهم عندما يكتمل هذا المشروع في فبراير 2010، ويعبر دبي من أطرافها إلى أعماقها؟!

إننا أمام صرح حضاري فاعل ومؤثر على حركة البشر اليومية، وربما كان ذلك هو السبب المباشر الذي دفع بالبعض منذ البداية للهجوم على "المترو"، لكن هذا الأمر الطارئ لن يستمر طويلاً، فسرعان ما ستتحول هذه الوسيلة الجديدة إلى جوهر العملية التنموية المستدامة في الدولة، ولاسيما أن الناس الذين تأثروا بمشكلة الزحام بصفة مباشرة أو غير مباشرة هم الذين يرون في هذا الانجاز جزءاً مهماً من الحل العملي. وبالتالي فعلى العاقل أن ينظر إلى مآل هذا المشروع الحيوي، ولاسيما أن الهدف منه هو الوصول إلى شبكة متكاملة من المواصلات العصرية، التي تخرج دبي من عنق الزحام إلى انسيابية المرور في مختلف مناطق الإمارة، وهذا الأمر في حد ذاته يشغل حيزاً كبيراً من اهتمام الحكومة التي وضعت ثقلها في التغلب على هذا التحدي الذي تواجهه كثير من المجتمعات في العالم الأرحب.

لقد وضحت الجدوى الحقيقية لهذا المشروع بعد مرور أسابيع قليلة على انطلاقه على امتداد "الخط الأحمر"، فقد أقلَّ أكثر من مليون راكب في فترة زمنية وجيزة، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد مستخدمي هذه الوسيلة إلى أضعاف عدة، عندما يتم تسيير باقي الخطوط، ويمكننا أن نقول بثقة إن حركة المترو في دبي سوف تقلُّ ركاباً على نحو لا يقل عن حركة الطيران في جميع مطارات الدولة، وهذا في حد ذاته يمثل رداً عملياً على كل من دار في خلده أن المشروع سيذوب في بحر الأزمة العالمية المالية، فقد خاب ظن هؤلاء فيما ذهبوا إليه.

ولا شك في أن نجاح هذا المشروع سيشكل دافعاً للمضي قدماً في مشروعات أخرى مشابهة تستخدم القطارات كوسيلة للنقل في الإمارات والمنطقة، مثل مشروع شبكة السكك الحديدية المستقبلية في الدولة، الذي بدأت الحكومة الإعداد لتنفيذه بعد المرسوم الذي أصدره صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، والخاص بتشكيل مجلس إدارة شركة الاتحاد للقطارات لتحقيق رؤية القيادة في هذا المجال الحيوي. وتتراوح التكلفة المبدئية للمشروع ما بين 25-30 مليار درهم لتأسيس وبناء 1100 كلم، عبارة عن طول خط السكة الحديدية، التي ستربط مركز الغويفات في نقطة الحدود مع السعودية غرباً ونقطة الحدود مع عمان شرقاً، ومن المتوقع أن يبدأ التنفيذ في 2010 ويستمر قرابة سبع سنوات. ومشروع القطار الخليجي الموحد الذي تصل تكلفته المبدئية إلى 25 مليار دولار (أي 92 مليار درهم)، والمتوقع أن يبدأ تشغيله عام 2017. وما يقوي من ثقتنا في هذا المشروع أن الذين يديرون دفة الأمور في الدولة، هم رجال يفكرون في غد أفضل بكل المقاييس المعاصرة، فهذا الذي يبقى للأجيال القادمة وأما التخرصات والهمهمات الجانبية فستذهب جفاء مع زبد البحر.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات