متانة الاقتصاد الإماراتي

  • 24 ديسمبر 2014

في الوقت الذي تتنامى فيه مخاوف العديد من الدول من تداعيات التراجعات الأخيرة في أسعار النفط العالمية، فإن الأمر يبدو غير مقلقٍ بالنسبة إلى دول أخرى، على الرغم من كون هذه الدول من بين منتجي النفط الرئيسيين، ودولة الإمارات العربية المتحدة تأتي على رأس هذه الدول، فبرغم أنها واحدة من منتجي ومصدِّري النفط الرئيسيين في العالم، وهي دولة عضو في منظمة الدول المصدِّرة للنفط "أوبك"، فإنها من الطبيعي أن تتأثر أوضاعها الاقتصادية بتراجع أسعار النفط، لكن ما بنته من أسس متينة لاقتصادها على مدار السنوات والعقود الماضية، حصّنته في مواجهة هذه الأزمة وغيرها من الأزمات.

فقد أكد تقرير حديث، صادر عن "بنك أوف أمريكا ميريل لينش"، أن الاقتصاد الإماراتي هو الأكثر تنوعاً من بقية أقرانه في "دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية"؛ لذلك ستكون له القدرة على مواجهة ضغوط أسواق النفط العالمية في المدى القريب. وبرغم أن البنك أكد أن هذه الضغوط سيكون لها آثار غير مباشرة على المنطقة كلها، خصوصاً في الأجل الطويل، فإن ملامحها ستظهر في صورة تراجع ملحوظ في أحجام السيولة وتأثُّر القطاع العقاري بقضايا المديونية. لكن البنك عاد وأكد مرة أخرى أن هذه الظروف لن تكون ذات تأثير يذكر في الاقتصاد الإماراتي.

هذا الأداء الاستثنائي لاقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، يستند إلى قاعدة إنتاجية على درجة كبيرة من التنوع، استطاعت بناءها على مدى عقود طويلة من العمل الجاد، منذ نشأتها في مطلع عقد السبعينيات من القرن العشرين، على يد المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي اتسمت رؤيته بالتوازن والاعتدال في جميع المجالات، بما في ذلك المجالات الاقتصادية والتنموية. ومن ثم جاء صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليستكمل المسيرة التنموية، وفقاً للمبادئ والقناعات نفسها. وقد صقل سموه – حفظه الله – هذه المسيرة بإطلاقه "مرحلة التمكين"، التي شهدت فيها الدولة توسعاً محموماً في الاستثمار في المشروعات التنموية الكبرى في مختلف القطاعات الاقتصادية، فلم تقتصر على تطوير الطاقات الإنتاجية لقطاع النفط والطاقة، بل اتجهت إلى الاستثمار بكثافة في قطاعات أخرى لا تقل أهمية، من بينها البنية التحتية والتكنولوجية والسياحة والصناعة والتجارة، وغيرها من القطاعات. وبفضل ذلك استطاعت هذه القطاعات زيادة نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي الإماراتي إلى ما يزيد على الثلثين، وأصبحت هي المحفز الرئيسي للنمو على المستوى الوطني، بل إنها أصبحت الآن الملجأ الأساسي للاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات.

إن الأداء الثابت للاقتصاد الوطني الإماراتي في مواجهة الضغوط الخارجية الناتجة عن تراجع أسعار النفط ليس هو الأول من نوعه، فقد استطاع هذا الاقتصاد بالفعل الخروج من الأزمة المالية العالمية والتغلب على تداعياتها، من دون أن يتعرض لأي انتكاسات تذكر حتى في أسوأ مراحلها، وخصوصاً في عام 2009، الذي شهد تداعي العديد من الاقتصادات حول العالم، وتراجعاً شاملاً في الاقتصاد العالمي. وبالتالي فإن التصدي للآثار الناجمة عن تراجع أسعار النفط، يعطي دليلاً جديداً على أن هذا الاقتصاد وصل إلى مستوى من النضج والمتانة، يجعله قادراً بالفعل على التصدي لأي صدمات خارجية، بالاعتماد على قدراته الذاتية، مهما كان مصدر هذه الأزمات أو طبيعتها أو حجمها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات