مبادرة الصبر والمصالحة

  • 11 نوفمبر 2010

ما إن خبت مفاجأة إعلان الملك عبد الله بن عبد العزيز مبادرته لجمع الأفرقاء العراقيين في المملكة العربية السعودية حتى فوجئ المراقبون برد الفعل العراقي المتفاوت إزاءها، وخصوصاً من قبل "ائتلاف دولة القانون" الذي يتزعمه رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي.

أما أقل ما قيل في المفاجأة الثانية فهو: كيف لدولة عريقة في الدبلوماسية وحل النزاعات أن تخطو خطوة ناقصة، أو تخطئ في الحسابات، أو تُقدِم على مبادرة مهمة على مستوى خادم الحرمين من دون تخطيط واتصالات مسبقة وضمان انعقاد اللقاء، إن لم يكن ممكناً ضمان نجاح الحوار؟

وبعيداً عن الكلام العاطفي والصحيح الذي يعزو المبادرة إلى النزعة العروبية المتأصلة في الملك السعودي، وإلى تألمه لرؤية العراق مستمراً في النزف وعرضة للفتنة والإرهاب، فإن ما يمكن فهمه من المبادرة الملكية السعودية هو أنها محاولة جدية لإخراج العراق من المأزق، في لحظة سياسية ترى المملكة فيها نقاط تقاطع عدة مع القوى المؤثرة في الشأن العراقي، ولاسيما واشنطن وطهران.

وعلى هذا الأساس، لا يجوز وضع المبادرة السعودية في تعارض مع السياسات الإقليمية أو الدولية الفاعلة في العراق، إنما في سياق البناء على التقاطع الأمريكي- الإيراني عند الرغبة في إبقاء المالكي في رئاسة الوزراء لأسباب يراها كل طرف وجيهة، وفي إطار إكمال المثلث بدور عربي إيجابي ينطلق من المملكة تحت عباءة الجامعة العربية.

لم يكن خافياً على المملكة بالطبع أن تشكيل الحكومة العراقية المتعثر منذ ثمانية أشهر هو انعكاس للأزمة الوطنية العميقة التي يعانيها العراق، والتي تتفرع منها كل الأزمات الطائفية والمذهبية والسياسية والجهوية، مثلما أنه انعكاس للعوامل الخارجية التي تتمثل بالمصالح الدولية والإقليمية، وبفاعلية دور الإرهاب الداخل على المشهد بقوة ومن خارج السياق المتعارف عليه في النزاعات. وإذ اقتنعت المملكة بأن التجاذب المرير انتهى إلى اعتماد المالكي صاحب الحظ الوحيد في تسلم رئاسة الوزراء، فإنها طوت صفحة الحساسية الشخصية التي كانت تتحكم بعلاقته بخادم الحرمين على مدى سنوات، وانطلقت من رؤيتها لموجبات الأمن القومي العربي، ومن ضرورات استعادة الحد الأدنى من مناعته، في محاولة لتكريس ما هو أبعد من التوافق السياسي على توزيع المناصب والمحاصصة لتأمل في الخروج من الهدنات الموقتة إلى صيغة سلم دائمة تحكم علاقات العراقيين.

ويبدو أن المملكة أطلقت المبادرة، ثم فتحت هامشاً من المرونة لاستقبال الردود وتحديد إطارها. فلا هي طلبت حضوراً فورياً للفرقاء تحت طائلة إلغاء الدعوة، ولا هي حددت برنامجاً مسبقاً يمكن أن تشكل الاعتراضات على جوهره وأولوياته مبرراً لمقاطعته. وهو التباس يترك الصفحة مفتوحة لكتابة الممكن والنقاش المعمق في مستقبل العراق شعباً ودولة ونظاماً ودوراً.

وعلى غرار دبلوماسية المملكة الطويلة النفس والمتميزة بالصبر والأناة، فإن المبادرة بدأت تلقى بعد أيام من إطلاقها مزيداً من الدعم من مختلف التوجهات الحزبية العراقية. فإضافة إلى التأييد المطلق والفوري الذي أبدته "القائمة العراقية" التي يتزعمها إياد علاوي، فإن تصريحات "دولة القانون" الرافضة والمعترضة بدأت تتلاشى تاركة الباب مفتوحاً أمام مشاركتها. كذلك فإن الطرف الكردي الذي أبدى في البداية بعض التحفظات عاد، وعلى لسان هوشيار زيباري، لينظر بعين الترحيب إلى مبادرة العاهل السعودي، وليستشف منها إيجابيات محتملة قد لا تتوافر في غيرها من المبادرات.

هل هو "طائف عراقي" تريد المملكة إنجازه على غرار "الطائف اللبناني" الذي حققته في 1989، حين جمعت كل المتنازعين في لبنان في مدينة الطائف؛ ليخرجوا باتفاق وفاق أنهى حروب اللبنانيين وحروب الآخرين على أرضهم، وتحوّل دستوراً يدافع عنه المتمسكون بوحدة لبنان وسلمه الأهلي؟

لا يبدو أن ما تهدف إليه المملكة نوع من هذا الاتفاق؛ فظروف تلك المرحلة قبل عقدين مختلفة كلياً عن ظروف اليوم. يومها كان الاتحاد السوفياتي لا يزال موجوداً، وكانت إيران خارجة من حربها المدمرة مع العراق، وكانت إسرائيل تحتل أجزاء من لبنان، والأهم أن اللبنانيين كانوا قد أنهكوا بفعل القتل والتهجير والخراب وحروب المغامرات التي اختتم بها الجنرال ميشال عون جولات العنف. فجاء الطائف انعكاساً لتوافق دولي واختلال موازين قوى داخلي سمح بسلم ممسوك، وإن قصَّر عن تحقيق مصالحة حقيقية.

الأرجح أن المملكة التي أبلغت الفرقاء العراقيين أنها ترحب بهم بعد مؤتمرهم لدى مسعود بارزاني في أربيل وبعد عيد الأضحى تريد أن تضخ دماً في تسوية جافة ومحتملة يتوصل إليها العراقيون على أرض كردستان العراق، وستكون دماء المصالحة الحقيقية النابعة من قناعات راسخة بوجوب الحفاظ على وحدة العراق وحقوق كل مكوناته وسلمه الأهلي الذي يبعد إلى الأبد شبح أي فتنة مذهبية تشكل كارثة له وللمنطقة. والمصالحة هذه ليست مهمة سهلة؛ لأنها تذهب إلى أبعد من التسويات المرفقة واقتسام النفوذ، وتدخل في عمق موجبات العيش المشترك، واستعادة دولة كبيرة ومهمة في الإقليم عانت عقوداً في ظل النظام الديكتاتوري، ويفترض ألا ترث منه أرضاً خربة ونسيجاً اجتماعياً مهلهلاً وفتناً متناسلة.

لن يكون لقاء العراقيين في المملكة "طائفاً عراقياً" ولا "اتفاق مكة" الذي أسقطته الخلافات الفلسطينية الداخلية والارتهان للخارج. لكن يؤمل منه أن يكون مكاناً دافئاً وآمناً للقاء مكونات الشعب العراقي بعيداً عن الضغوط، وفي ظلال المملكة والجامعة لاقتناص اللحظة السياسية وتقاطع المصالح الإيجابي من أجل فتح صفحة المستقبل المليء بالأمل، وإنهاء أي ترحم على أيام صدام… أما إذا لم يحصل اللقاء فستكون الريبة من خطوة غير مدروسة في محلها، وسيسجل في تاريخ الدبلوماسية السعودية نكسة موصوفة، حتى ولو تسببت بها أجمل النيات.

Share