مبادرات "محمد بن راشد" لتعزيز "العربية" لغة للهوية

  • 10 مايو 2012

اللغة هي وعاء للثقافة والفكر والمعرفة، ووسيلة للتواصل ليس بين أفراد المجتمع ومؤسساته المختلفة فحسب، بل أيضاً مع الثقافات الأخرى. وهي المعبر عن تراث الأمم وحضارتها. والمجتمعات التي تهمل لغتها غالباً ما تفقد القدرة على مواكبة الركب العالمي في التطور والحضارة، ولهذا تهتم الدول المختلفة بالمحافظة على لغتها وتطويرها بما يواكب متطلبات العصر. وفي هذا السياق يمكننا فهم حرص القيادة الإماراتية الرشيدة على تعزيز مكانة اللغة العربية كلغة معبرة عن هويتنا وثقافتنا وقيمنا وأصالتنا وجذورنا العربية الإسلامية، والذي توج بحزمة المبادرات المهمة التي أطلقها مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتعزيز مكانة هذه اللغة في المجتمع.

وعلى الرغم مما تواجهه اللغة العربية اليوم، مثل غيرها من اللغات، من تحديات كبيرة بسبب تيارات العولمة وما أفرزته من هيمنة لبعض اللغات التي بدأت تفرض نفسها على العالم من حولنا، فإن ما يذهب إليه البعض أحياناً من تضخيم لهذه التحديات والقول بأن اللغة العربية باتت مهددة بالانقراض، هو أمر مبالغ فيه وغير محتمل. فقد اصطفى الله سبحانه وتعالى هذه اللغة من بين لغات العالم لتكون لغة القرآن الكريم، ولتنزل بها الرسالة الخاتمة، حيث قال تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر- الآية 9). وقال سبحانه عن عربية اللسان "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين". (النحل- الآية 103). وقال أيضاً "وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين" (الشعراء- الآية 192- 195).

ومع أهمية هذه الأدلة القرآنية القطعية على الخلود الأبدي لهذه اللغة، فإن هذا لا ينفي حقيقة أن العرب مطالبون ببذل كل ما في الوسع للحفاظ على هذه اللغة من تقلبات الزمن وما تواجهه أحياناً من تراجع أو ضعف، فتجديدها وبعث الروح فيها وإعادتها إلى رونقها وسابق عهدها من واجب العرب جميعاً وكل البلدان التي جعلت من لغة الضاد وعاء لهويتها الوطنية الأصلية.

واللغة العربية مثل أي كائن حي يتعرض لموجات من التراجع والتأخر عن مواكبة العصر بسبب تقصير منا أو كنتيجة لعوامل أخرى، إلا أنها قابلة على الدوام للتجديد والتطوير من خلال اتخاذ الوسائل المتاحة، التي تناسب العصر، بحيث تكون قادرة على تأدية دورها الحضاري في العطاء والتواصل مع بقية الأمم والشعوب. ورغم ما تفرضه العولمة وأدوات التقنية المعاصرة من تحدٍ أمام اللغة العربية، حتى داخل المجتمعات الناطقة بها، فإنها توفر فرصاً يمكن، إذا أحسن استغلالها، أن تساهم في نشر اللغة العربية وتعزيز مكانتها على مستوى العالم، مثلها مثل أي لغة أخرى مطلوب منا اليوم تعلمها لضرورات الحياة وتطوراتها المتلاحقة.

وإذا كانت اللغة العربية تواجه تحدياً في البلدان الناطقة بها، فإن هذا التحدي ربما يكون أكبر في دولة الإمارات العربية المتحدة، نتيجة لما تشهده من تنوع ثقافي ولغوي واسع على أرضها، إضافة إلى التوسع الكبير في تدريس المناهج التعليمية في المدارس والجامعات باللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية، والذي مثل بدوره تحدياً لهوية الدولة وثقافتها العربية الأصيلة. وهذا ما جعل القيادة الرشيدة للدولة تتحرك بجدية لمواجهة هذه التحديات عبر إطلاق مبادرات نوعية لتعزيز مكانة اللغة العربية ومساهمتها الفاعلة في البناء الحضاري والفكري في الثقافة العالمية، وليس فقط على المستوى المحلي.

في هذا السياق أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن "رؤية 2021" تهدف إلى جعل الدولة مركزاً للامتياز في اللغة العربية، مشدداً سموه على أن "الإسهام في الحفاظ على اللغة العربية هو قيمة إسلامية، وفريضة وطنية، وترسيخ لهويتنا وجذورنا التاريخية". ويعني هذا أن الاهتمام باللغة العربية وتعزيز مكانتها أصبح جزءاً رئيسياً في استراتيجية الحكومة الاتحادية حتى 2021، أي إن الموضوع لم يعد ترفاً فكرياً، بل إن الدولة عازمة على أخذ زمام المبادرة ونقل الاهتمام بهذا الموضوع من قمة هرم السلطة إلى كل المؤسسات الحيوية والمعنية بتنفيذ سياسة الحفاظ على اللغة العربية بكافة الإمكانيات المتاحة، البشرية منها والمادية.

ويلاحظ هنا أن حزمة المبادرات النوعية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، اتسمت بالتنوع والشمول. فقد شملت تلك المبادرات ميثاقاً للغة العربية، ليكون مرجعاً لجميع السياسات والقوانين المتعلقة بحماية اللغة العربية، وتعزيز استخدامها في الحياة العامة. ولم يُترك هذا الميثاق من دون رافد مؤسسي يضمن تحقيق ما يصبو إليه، حيث تم الإعلان عن إنشاء مجلس استشاري برئاسة معالي وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لتطبيق مبادئ هذا الميثاق. ويشرف المجلس على تعزيز جهود الحفاظ على اللغة العربية ورعايتها على مستوى الإمارات، وتنسيق الجهود الحكومية والأهلية في هذا المجال.

ومن هذه المبادرات أيضاً تشكيل لجنة خبراء عربية دولية، تهدف إلى إعادة إحياء اللغة العربية كلغة للعلم والمعرفة، وتقديم نموذج عصري لتعليمها، بما يعود بالفائدة على الدول العربية كافة، وليس على دولة الإمارات وحدها. وإبراز المبدعين من الطلبة فيها عن طريق تنظيم مسابقات مدرسية في المدارس الحكومية والخاصة في مجال الشعر والكتابة والخط العربي والقراءة تحت إشراف وزارة التربية والتعليم. كما تم الإعلان عن تأسيس معهد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها عن طريق جامعة زايد، وسيتم التعاون فيه مع الجامعات المتخصصة حول العالم، لإيفاد الطلاب والبعثات لتعلم اللغة العربية في الإمارات.

ومن هذه المبادرات كذلك إنشاء كلية للترجمة، ضمن مظلة كلية محمد بن راشد للإعلام في الجامعة الأمريكية بدبي، بهدف تعزيز وضع الإمارات كمركز حضاري لترجمة العلوم والمعرفة وحركة التعريب في المنطقة.

كما تم الإعلان في "مجلس محمد بن راشد للسياسات" عن مبادرة إلكترونية لتعزيز المحتوى العربي على الإنترنت؛ حيث سيشرف صندوق الاتصالات ونظم المعلومات التابع للهيئة العامة للاتصالات على هذه المبادرة، بهدف تطوير الأدوات والبرامج التي ستعمل على تعزيز المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية.

إن نجاح مشروع حضاري بحجم هذا المشروع بكل ما يتضمنه من مبادرات نوعية وجرأة في طرح الحلول العملية لتعزيز مكانة اللغة العربية، يحتاج إلى تكاتف المؤسسات العامة والخاصة وتعاونها، والتي في استطاعتها دعم هذا العمل الفريد، ويحتاج كذلك إلى مشاركة كافة الشرائح المعنية للارتقاء بهذه اللغة وتحقيق هذه الرؤية الطموح.

إننا اليوم نقف أمام باقة من البرامج المتكاملة، التي سيؤدي تنفيذها على أرض الواقع بلا شك إلى إعطاء زخم كبير لكافة الجهود المبذولة عربياً لحماية اللغة العربية وتعزيز مكانتها، وهذه المبادرات تمثل نموذجاً واضحاً لكل من يريد أن يدفع بهذه اللغة إلى الأمام، وإثبات أنها لا تقل مكانة إن لم تزد، عن أي لغة أخرى يتم تداولها على الساحة العالمية.

وهذا الحرص على إعادة اللغة العربية إلى سابق عهدها وإبراز رونقها وجمالها الذاتي، لا يعني إهمال تعلم اللغات الأخرى وإتقانها، كرافد من روافد العلم المعاصر والتعامل مع هذا العصر الذي تداخلت فيه اللغات والثقافات. لكن الأمر المهم هو ألا يكون إتقان اللغات الأخرى على حساب اللغة العربية، فاللغات العالمية، مهما تكن درجة إتقانها، لن تكون بديلاً عن اللغة الوطنية التي تعكس الهوية الأصيلة للإنسان. وهذا بالفعل هو ما حاول أحد العلماء الغربيين أن يعلمه لأحد طلبته العرب المبتعثين للخارج عندما نصحه بالتمسك بلغته، قائلاً: "إياك أن تستحي من إبراز لغتك العربية الأصيلة والافتخار بها أمام الآخرين؛ لأنك مهما أتقنت لغة الآخرين، فإن الناس ستنظر إلى مدى إتقانك للغتك الأم، فكن شجاعاً بالإفصاح عن هويتك الوطنية فخوراً بها".

إن لغتنا الأم تستحق تلك المبادرات السامية، وكل ما يبذل من جهود في هذا الإطار سيصب في النهاية في خدمة تعزيز قيم الولاء والهوية الوطنية والقومية، التي تعكسها هذه اللغة، التي تمكنت على مدى نحو ألفي عام من التغلب على كافة التحديات التي واجهتها.

المهم أن نبدأ بعمل شيء، يُذكر ويُذكِّر كل المعنيين بهذه اللغة الحية، فنحن كعرب مسؤولون بالدرجة الأولى عن لغتنا، فإن ضعفت يوماً، فتقويتها بيدنا، وإن طغت عليها لغة أخرى، فإن إزالة العقبات والتحديات من أمامها هو دورنا، وبقدر إدراكنا لهذه المهمة الصعبة ولكن غير المستحيلة، تتحقق النتائج المرجوة، فلتكن مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نقطة الانطلاق نحو تحقيق هذا الهدف السامي.

Share