ما هي حدود التفاؤل بعالم ما بعد «كورونا»؟

  • 8 يونيو 2020

هناك آمال عريضة في أن يكون عالم ما بعد جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أفضل بكثير من عالم ما قبلها، هذا التفاؤل مشروع، بل ومطلوب، ولكن الإفراط فيه لا يقدم صورة حقيقية لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع بالفعل بعد أن يحمل هذا الفيروس اللعين عصاه ويرحل.

يردد كثير من الناس أن عالم ما بعد جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) سوف يكون أفضل وأقوى من سابقه، على الرغم من أن الجائحة ما زالت في ذروتها في العديد من دول العالم، وما زالت تنتقل من منطقة إلى أخرى على امتداد خريطة العالم لتخلق بؤراً جديدة لها هنا وهناك، وما إن تخفت في دولة ما حتى تظهر بشكل مرعب في دولة أخرى، وما زالت أعداد الوفيات والمصابين في تصاعد خطير يوماً بعد يوماً، وهناك تحذيرات من ذروة جديدة أكثر خطورة للفيروس في الخريف المقبل. وهكذا يبدو أنه من غير الملائم بعد، هذا الحديث الذي أفرط فيه البعض عن عالم ما بعد كورونا، وخاصة أن العلماء لم يتمكنوا بعد من اكتشاف دواء ولقاح لهذا الفيروس الفتاك.

بيد أنه وكنوع من الاشتباك الفكري مع التنبؤات الخاصة بعالم ما بعد كورونا، والحديث الرائج عن طبيعة هذا العالم؛ هل يمكن القول بالفعل إن هذا العالم سيكون أفضل وأقوق من سابقه؟ المفرطون في التفاؤل يجيبون بنعم، وهذا رأيهم، ولكنه ليس من قبيل التشاؤم القول إن العالم سيحتاج إلى فترة زمنية ليست بالقصيرة لكي يتعافى تماماً من كل ما جلبته هذه الجائحة التي خلفت تأثيرات طاغية على الأصعدة كافة.

إن المفرطين في التفاؤل يتحدثون عن تعافٍ اقتصادي سريع، ولكن الواقع يؤكد أن تلك التأثيرات السلبية الشديدة التي أحدثتها جائحة (كوفيد-19) على صعيد الاقتصاد الدولي والاقتصادات المحلية سوف تحتاج إلى سنوات عدة للتعافي منها بشكل كامل، وعلى سبيل المثال، فإنه حين تدور عجلة الاقتصاد لن تتوافر على الفور فرص لعشرات الملايين الذين فقدوا وظائفهم في مجالات مختلفة، ولن يعود معدل النمو الاقتصادي في كثير من الدول كما كان، وبخاصة دول العالم الثالث، التي كان اقتصادها متعافياً بدرجة كبيرة قبل حدوث هذه الجائحة.

وإذا كانت التأثيرات السلبية التي أفرزتها جائحة (كوفيد-19) على الاقتصاد الدولي والاقتصادات الوطنية ستحتاج إلى سنوات ليست قليلة للتعافي منها، فإن هناك تأثيرات أخرى سيحتاج تجاوزها إلى سنوات أكبر وجهود كثيرة، وعلى سبيل المثال، هناك شعوب كثيرة فقدت الثقة بأداء المؤسسات القائمة في مجتمعاتها بسبب أدائها الرديء في مواجهة هذه الجائحة، وستحتاج عودة الثقة بهذه المؤسسات إلى سنوات طويلة.

وفي الوقت الذي سيحتاج التخلص من التأثيرات السلبية التي أفرزتها جائحة (كوفيد-19) إلى عدد قليل أو كثير من السنوات، طبقاً لطبيعة هذه التأثيرات وعمقها، فإن هناك تأثيرات أخرى ستبقى في مركز الذاكرة إلى الأبد، فالأحباب الذين حصد هذا الفيروس اللعين أرواحهم سيظلون في قلوب وعقول ذويهم، وسوف لن يكون من السهل نسيان كيف أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحائجة، قد حالت دون وداع الكثير ممن سبقونا إلى العالم الآخر، أو أن نكون إلى جوارهم في أيامهم الأخيرة، كما يكثر الحديث في هذا السياق أيضاً عما ستتركه هذه الجائحة من تأثيرات نفسية عميقة، لن يكون التعافي منها إلا على المدى البعيد.

إن عالم ما بعد «كورونا»، الذي لا نعلم على وجه اليقين متى سيأتي لن يكون بلا منغصات، كما يرى المفرطون في التفاؤل، ويجب علينا، أن نستوعب جيداً كل الدروس والعبر التي تنطوي عليها جائحة (كوفيد-19) حتى لا نقع في الأخطاء نفسها، وحتى نكون أكثر قوة وصلابة في مواجهة أي كوارث مقبلة، قد تحمل من التأثيرات ما هو أقسى وأشد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات