ما تداعيات تغيير وضع «آيا صوفيا» على العلاقات التركية-الأوروبية؟

أثار قرار تركيا تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد سلسلة من ردود الأفعال الخارجية التي رفض أغلبها القرار؛ وقد جاءت أبرز هذه الردود من القارة الأوروبية؛ ما أثار تساؤلات حول تداعيات هذه الخطوة على العلاقات التركيةالأوروبية.

جاء قرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تحويل »آيا صوفيا« إلى مسجد؛ ليضيف سبباً جديداً للخلاف والتوتر بين تركيا وأوروبا؛ حيث رأت الدول الأوروبية أن القرار يشكّك في علمانية تركيا، ويؤثر في عملية الحوار بين الأديان. وأبدى الاتحاد الأوروبي أسفه للقرار، وأدانه وزراء خارجية الدول الأعضاء في اجتماع لهم عُقِد يوم 13 يوليو الجاري، كما حرصت العديد من الدول الأوروبية على إعلان موقف صريح وواضح مضادّ لهذا القرار؛ فأعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، أن بلاده »تأسف« لقرار أردوغان، الذي يشكّك »في أحد أكثر الإجراءات رمزيةً لتركيا العصرية والعلمانية«. وأعربت ألمانيا عن أسفها أيضاً، وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفن زايبرت، إن »متحف آيا صوفيا له أهمية تاريخية ثقافية كبيرة، وله أهمية دينية كبيرة، سواء بالنسبة إلى المسيحية أو الإسلام، ونحن نضع أهمية كبيرة عليه في عملية الحوار بين الأديان«.

كما رأت دول أوروبا في القرار ضربة قوية لمبادرة تحالف الحضارات، الذي كان الرئيس أردوغان أحد أعضائه؛ وهو ما عبر عنه صراحة وزير خارجية لوكسمبورغ، جان أسيلبورن، الذي قال إن القرار هو بمنزلة انتكاسة في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، ومكانتها في العالم بشكل عام؛ ويمثل »ضربة ضد تحالف الحضارات«، وهو تحالف مدعوم من جانب الأمم المتحدة، أسس عام 2005؛ بهدف التقريب بين الشرق والغرب.

وجاء أشدُّ المواقف غضباً تجاه القرار التركي من اليونان، التي رأته »استفزازاً« و»فعلاً رجعياً«، و»عملاً تافهاً«؛ فقالت وزيرة الثقافة اليونانية إن »القرار استفزاز للعالم المتحضّر، الذي يعترف بالقيمة الفريدة والطبيعة المسكونية لهذا المعلم الأثري«. فيما قال رئيس وزراء اليونان، كيرياكوس ميتسوتاكيس، إن تركيا »اختارت بهذا الفعل الرجعي قطع الروابط مع العالم الغربي وقيمه«. وأضاف: »في مواجهة هذه البادرة غير الضرورية والتافهة من تركيا تبحث اليونان الرد على جميع المستويات«. وأكد أن قرار أنقرة لن يؤثر في العلاقات بين تركيا واليونان فقط، وإنما في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي أيضاً. ويمكن تفسير الموقف اليوناني في ضوء ما يمثله متحف »آيا صوفيا« من أهمية خاصة لأثينا بصفته واحداً من أهم الصروح الأرثوذكسية؛ فقد شيَّد البيزنطيون كنيسة »آيا صوفيا« التي تُعَدُّ تحفة معمارية في القرن السادس، وكانوا يتوّجون أباطرتهم فيها. وأوضحت المؤرخة كريستينا كولوري، أستاذة التاريخ المعاصر بجامعة بنتيون في أثينا، أن »الإمبراطورية البيزنطية هي أحد مكونات الهوية اليونانية، وأهم مكونات تاريخ البلاد، وديانتها، وهي الصلة بين العصر الإغريقي واليونان المعاصرة«.

والحاصل أن القرار التركي ربما يكون قد أنهى أيَّ بصيص أمل لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، خاصة أنه أكد صحة مخاوف الاتحاد من توجهات تركيا في عهد حكم حزب العدالة والتنمية نحو أسلمة المجتمع؛ فقرار أنقرة تحويل »آيا صوفيا« من متحف يضم العديد من الأيقونات المسيحية، ويرمز إلى فكرة الحوار والتقارب بين الأديان، إلى مسجد مخصَّص للمسلمين يؤكد، من وجهة نظر الأوروبيين، تخلياً تركياً عن مبادئ العلمانية، ومن ثمَّ تتسع الهوة أكثر وأكثر بين الطرفين، وباتت فكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي سعت أنقرة إلى تحقيقها عقوداً عديدة، ضرباً من الخيال.

ولا شك أن المواقف الأوروبية المعلَنة تعكس غضباً أوروبياً من القرار التركي، وتشير في الوقت نفسه إلى أن علاقات البلدين تنتظرها مرحلة أخرى من التوتر، خاصة مع تشجيع بعض الدول الأوروبية مثل اليونان على فرض عقوبات على تركيا؛ وهو ما يتزامن مع توتر علاقات تركيا مع بعض دول الاتحاد، وفي مقدمتها فرنسا في ضوء الخلاف بين البلدين حول ليبيا واليونان في ضوء توجه تركيا إلى التنقيب عن مصادر الطاقة في منطقة شرق المتوسط.

 

 

 

 

 

Share