ما بعد الحكم ضد الجدار الفاصل

ما بعد الحكم ضد الجدار الفاصل

  • 12 يوليو 2004

ليس أسوأ من اعتبار إسرائيل أن قرار محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الجدار الذي تبنيه الدولة العبرية في الضفة الغربية "مكانه سلة المهملات"، سوى تضخيم بعض العرب لنتائج القرار، واعتباره "انتصاراً للشعب الفلسطيني ولكل الشعوب الحرة في العالم وللقانون الدولي وللعدالة الإنسانية". ففي الحالة الأولى ذهبت إسرائيل إلى التقليل من أهمية القرار الذي أصدرته المحكمة بأغلبية 14 صوتاً مقابل صوت واحد، وبعدما حكمت باختصاصها بالبت في موضوع النزاع حول الجدار، وأكدت ضرورة إزالته وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار الناجمة عنه، وفي الحالة الثانية ضّخم الجانب العربي من فحوى القرار وتأثيره إلى الحد الذي يوحي باعتباره "تحولاً استراتيجياً" أو "نصراً نهائياً" في النزاع المرير الذي دخل عامه السادس والخمسين.

والواقع أن كلتا المقاربتين انطباعية بامتياز، وليس بهما من جوانب التقييم وتقدير المواقف سياسياً ما يوازي ما بهما من تكنيكات الدعاية والحرب النفسية والاستهلاك المحلي.

فمن جهة ذهب بعض الوزراء الإسرائيليين إلى وصف القرار بأنه "لعبة مبيعة"، وهو استخفاف بالقرار والهيئة التي أصدرته مبالغ في عدائه واستهانته إلى حد لا يداري ضعف الموقف الأخلاقي والقانوني لقائله، كما ذهب وزراء آخرون إلى محاولة تشبيه قرار القضاة الدوليين بأنه "كإصدارهم قراراً بأن الأرض مسطحة".

على الجانب الآخر، استدل مسؤولون ومحللون عرب بالقرار إلى "حتمية الانتصار العربي-الفلسطيني"، و"إحراز النصر التاريخي"، فضلاً عن كونه "فتح الباب إلى إمكانية فرض عقوبات على إسرائيل" حسب هؤلاء المسؤولين والمحللين. وفضلاً عن هذا، فقد كان من الممكن لأي مراقب أن يلمح في وجوه المسؤولين الفلسطينيين والعرب الذين علقوا على القرار بعد صدوره ملامح تشي بالارتياح الذي يعقب الإنجاز، وهدوءاً تعرفه وجوه المنتصرين الواثقين عادة، وهو أمر لا يدانيه في الإخفاق سوى عصبية الاستهانة ومحاولة إظهار عدم الاكتراث على وجوه المسؤولين الإسرائيليين، الذين لطمتهم الإدانة الصريحة من تلك الهيئة الحقوقية الدولية ذات المكانة المعتبرة.

لقد أصدرت محكمة العدل الدولية بالفعل حكمها المهم، وبدا هذا الحكم لحظة صدوره من الضخامة والزخم إلى حد اعتبره بعض العرب والفلسطينيين "نهاية مرحلة"، أو "بداية مرحلة"، والواقع أن الحكم ما هو سوى انعكاس قانوني-دولي، لعمل سياسي، أتى كحلقة ضمن سلسلة من الأعمال السياسية في إطار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المفتوح على الاحتمالات والوسائل كلها.

وتتضح مكانة هذا الحكم في هذا السياق السياسي العملي من تعاطي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون معه، فقد انتقدت مصادر مكتبه الحكم فور صدوره، وقللت من أهميته، قبل أن يعود رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه ويأمر بمواصلة بناء الجدار باعتباره "ضرورة أمنية"، ويربط بين حكم محكمة العدل الدولية وعملية تل أبيب التي وقعت إثر صدور الحكم، وأوقعت قتيلاً ونحو عشرين جريحاً إسرائيلياً، متهماً المحكمة بأنها "رعت هذه العملية بالحكم الذي أصدرته".

الأهم من ذلك، أن شارون طلب من المستشار القضائي لحكومته أن يقدم له تحليلاً قضائيًا للحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، كما طلب منه إعداد توصيات ليتم تقديمها إلى المستوى السياسي حول الخطوات القضائية التي يجب أن تتخذها إسرائيل. وقد عقد هذا الأخير بالفعل اجتماعاً لمناقشة التداعيات القضائية التي تترتب على قرار المحكمة بمشاركة مندوبي الأجهزة الأمنية ووزارتي العدل والخارجية.

إذن، فقد ربطت إسرائيل بين الحكم وعملية تل أبيب، ورغم رفضها القرار واعتباره "رأياً استشارياً غير ملزم"، فإنها بدأت عملية سياسية-قانونية-دعائية مبرمجة، تعتمد الوسائل المتاحة كلها لإحباط حكم المحكمة وإضعاف أثره.

على الجانب الآخر يبدو أن ثمة استحقاقات مهمة يجب أن يسعى الجانب الفلسطيني-العربي للقيام بها لحماية المكاسب التي أتى بها هذا القرار أولاً، ثم تعظيمها ثانياً. فيجب أن تتم دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة للاجتماع، والحصول منها على قرار يعضد حكم محكمة العدل الدولية، ومحاولة نقل الموضوع برمته إلى مجلس الأمن، حيث يمكن أن تمارس الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار في مصلحة الفلسطينيين.

ويتصل هذا البعد الأخير بمسألة مهمة تتعلق بموقف الولايات المتحدة من حكم محكمة العدل الدولية. فقد انتقدت واشنطن الحكم، واعتبرته "يلحق الضرر بعملية السلام"، فضلاً عن أن قاضيها لدى المحكمة انفرد بكونه صاحب الصوت الوحيد المعارض مقابل 14 قاضياً من شتى دول العالم.

يجب أن يبذل العرب جهوداً منظمة في إطلاع الرأي العام والحكومة والكونجرس والفعاليات السياسية والحزبية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الأمريكية على مغزى وتداعيات هذا الموقف الأمريكي من حكم محكمة العدل الدولية، وعلى فرديته وانعزاليته وتناقضه الواضح مع القانون الدولي ممثلاً في قضاة تلك المحكمة ذات الاعتبار، ومع ما يمثلونه من قيم العدالة الجمعية العالمية. يجب أن يسعى الجانب العربي إلى التركيز على دور مثل تلك المواقف المفرطة في وضوح انحيازها في تقديم إجابة يطلب الكثير من السياسيين والمفكرين والمواطنين الأمريكيين سماعها عن سؤال تردد كثيراً منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وهو "لماذا يكرهوننا؟".

لا يصح أن يعطي الفلسطينيون شارون ذرائع يستخدمها في تنفيذ سياساته المتعلقة بـ "حتمية بناء الجدار لحماية أمن إسرائيل" في هذا التوقيت بالذات، ولا يجب أن يتحركوا دون برنامج سياسي محدد الخطوات لتعظيم مكاسبهم من هذا القرار، ولا يجب أن يكون هذا بمعزل عن محاولة التأثير في الموقف الأمريكي نفسه، بآليات ووسائل تتناسب مع ما هو معروف عن طبيعة السياسة الأمريكية ومفاصل عملها، وليس بما يتناسب مع أفكار بعض التيارات العربية التي سارعت في تعليقها على الحكم بالتقليل من أهميته، معتبرة أن "المقاومة هي الطريق الوحيد لإزالة السور".

كما لا يصح أن يظل بعض العرب والفلسطينيين على اعتقادهم بأن العالم كله "يقف ضدنا ويضطهدنا"، وأنه "لا مجال قانونياً أو سياسياً دولياً يمكننا إثبات حقوقنا فيه"؛ فقد نقض قرار محكمة العدل الدولية تلك القناعة، وكشف عن مساحات لم "يهيمن عليها اللوبي الصهيوني" بعد.

الأهم من ذلك، ألا يستغرق الفلسطينيين الحكم وتداعياته، وألا يغيب عنهم أن تخطيط بناء الجدار، ثم عملية بنائه، والصراعات السياسية والعسكرية والقانونية الإسرائيلية الداخلية حوله، والتداعيات القانونية والسياسية الدولية المتعلقة به، كلها عوامل لا يجب أن تصرف الأنظار عن كونه متغيراً جزئياً في مسار إدارة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وأنه لا يمثل قضية بحجم القدس، أو الدولة، أو اللاجئين، أو المياه، أو الحدود.

Share