ما بعد الانتخابات الرئاسية: نظام جديد ينبثق للانتقال من الثورة إلى الاستقرار في تونس

عبدالوهاب بدرخان: ما بعد الانتخابات الرئاسية: نظام جديد ينبثق للانتقال من الثورة إلى الاستقرار في تونس

  • 28 ديسمبر 2014

انتهت المرحلة الانتقالية في تونس، أو هكذا يُفترض، وكانت الانتخابات الرئاسية الفصل الأخير فيها، لتبدأ الآن مرحلة جديدة؛ هدفها الأول الخروج من حال الثورة على النظام السابق إلى توطيد النظام الجديد واستعادة الاستقرار. وكانت المنافسة على الرئاسة بدورتيها قد ظلّت في إطار التوقّعات، إذ فاز فيها الباجي قائد السبسي زعيم حزب "نداء تونس"، بعدما كان حزبه خرج من الانتخابات التشريعية كأكبر تكتل في البرلمان بـ 39 في المائة من المقاعد، أما حزب "حركة النهضة" الإسلامي فحصل على ما نسبته 31 في المائة. ولم يقدّم "النهضة" مرشحاً للرئاسة، لئلا يسجّل هزيمة محققة، إلا أنه ساند في الدورتين منصف المرزوقي رئيس حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" شريكه في "الترويكا" (مع حزب "التكتل الديموقراطي") التي استخدمتها "النهضة" كغطاء لهيمنتها على الحكم طوال الأعوام الثلاثة الماضية.

وكما في التشريعية كذلك في الرئاسية، خرجت من صناديق الاقتراع رسالة واضحة ومدوّية مفادها أن التونسيين لا يريدون هيمنة لحزب واحد أو لشخص واحد، إذ كانت المخاوف على الحريات والخشية من عودة الاستبداد من محاور النقاش العام خلال الحملة الرئاسية غداة الدورة الأولى. وكانت الحجة الأكثر ترديداً في مداخلات المرزوقي أنه يمثل "الثورة" وقواها الاجتماعية وأهدافها، وأن التصويت لمنافسه يعادل المطالبة بعودة النظام السابق. الأمر الذي ردّ عليه السبسي بأن منافسه هو "مرشح الإسلاميين والسلفيين الجهاديين"، متوقعاً أن تنقسم تونس في الدورة الثانية إلى: شق الإسلاميين في جهة، وشق كل الديموقراطيين وغير الإسلاميين في الجهة المقابلة.

ويذكر أن تحليلاً للتوزّع الجغرافي لأصوات المرشحَين أظهر أن الثقل الانتخابي تركّز في محافظات الجنوب والوسط للمرزوقي، وفي الشمال والساحل للسبسي. وفجأة برز الصراع الجهوي، فقامت تظاهرات في مدن عدة احتجاجاً على ما اعتبر تصنيفاً لأبناء الجنوب والوسط بأنهم "إرهابيون"، ما أثار جدلاً واسعاً في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حول التمييز ضد المناطق، ما لبث أن أعاد إلى الواجهة مسألة التهميش التنموي للعديد من المحافظات. وبرغم أن هذه المحافظات أعطت أصواتها بكثافة للمرزوقي، الذي كان باشر اعتماد "محمد منصف" اسماً رسمياً له، فإن الواضح أن ثلاثاً منها هي الكاف وجندوبة وباجة (تقع في الغرب بالقرب من الحدود الجزائرية) صوّتت لمصلحة السبسي.

لم يكن هذا النقص في التنمية مجهولاً، لكنه يرتّب على أي حكم، وبتأكيد أمام الرئيس الجديد، في أن يوليه العناية لسبب واضح، هو أن التهميش ينتج أكثر البيئات خصوبة للاستغلالات الأيديولوجية المتنكرة حالياً بالدين، ومن ثم  للتطرف والعنف. وكان ذا دلالة أن المكان الوحيد الذي استقبلت فيه نتائج الانتخابات بإحراق مقر حزب "نداء تونس" هو مدينة تطاوين الجنوبية. غير أن هذا الحادث ظل معزولاً، إذ إن حزب "حركة النهضة" الذي مكّن المرزوقي من الحصول على 44.36 في المائة من الأصوات اعتبر أنه سجّل النقطة التي أرادها، ولم يكن موافقاً على مبادرات شعبوية أوحت بها تصريحات للمرزوقي وبعض أركان حملته، كأن ترفض النتائج أو تغرقها بالطعون لتأخير إعلان النتيجة النهائية. فالخاسر الأكبر في الانتخابات هو "النهضة" لكنه نجح في تخفيف وطأة الهزيمة على قواعده. ومن هذا المنطلق بادر زعيم "النهضة" راشد الغنوشي إلى المطالبة بعدم تشويه النتائج، وكان بذلك يتوجّه إلى أنصاره والمرشح الذي دعموه. لذلك لم يتأخر المرزوقي في إعلان قبوله بالنتائج التي أعلنتها اللجنة المشرفة، بل دعا إلى التزام الهدوء ونبذ العنف.

ومع حصول السبسي على 55.68 في المائة من الأصوات كان النصر جلياً لكنه ينطوي على إنذار للفائز بأن الانقسام عميق في المجتمع، ولا بدّ من معالجة أسبابه. فالفرز السياسي بعد الثورة على النظام السابق أثار تشنجات طبيعية، كما أن الشباب الذين قادوا تلك الثورة واصلوا مقاطعتهم للانتخابات وانكفاءهم عن المشاركة في العملية السياسية، كما لو أن القوى التي خطفت ثورتهم، ما لبثت أن تركتهم حيث كانوا على الهامش. والواقع أن البلاد برمتها أخذت في اتجاه خاطئ عندما نُصّب حكم "الترويكا" وراح "الإخوان النهضويون" يخترقون الدولة ويعدّون للإمساك بمفاصلها، لكن انهيارات الوضع الأمني أيقظت المجتمع المدني الذي برهن عن حضور قوي وفرض على "النهضة" ضرورة تصحيح المسار. كما أن ولادة حزب "نداء تونس"، كإطار وطني ووسطي لحشد الخبرات السياسية والكوادر المتخصصة غير المؤدلجة، أسهمت في توفير خيار بديل من الإسلاميين. وهكذا استطاعت تونس أن تصحح مسيرتها خطوةً خطوةً، أولاً، بالحوار الذي أقرّ فكرة "حكومة كفاءات غير حزبية" وفتح منفذاً لخروج هادئ لـ "النهضة" من الحكم، ثم باستكمال الاستحقاقات المطلوبة بـ (قانون الانتخاب، والدستور الجديد)؛ لاجتياز المرحلة الانتقالية.

كان بعض القوى الدولية والإقليمية نصح زعيمي "نداء تونس" و"النهضة" بعقد تفاهم تعاوني واعتماد نوع من تقاسم السلطة بينهما. وعقد السبسي والغنوشي أكثر من لقاء في باريس وفي تونس، وكانت هناك اتصالات جزائرية دائمة معهما، إلا أنهما اتفقا على التهدئة ولم يتفقا على التعاون أو العمل معاً، وكانا بذلك موضوعيين، فبرامجهما مختلفة وكذلك منطلقاتهما، كما أن قيادتي حزبيهما قد تتعرّضان لانشقاقات إذا حاولا فرض تحالف عليهما، فضلاً عن انعكاسات ذلك على جمهورهما "المترافض". من هنا فضّل الرجلان أن يعطيا النموذج بإبقاء اللعبة السياسية هادئة ونظيفة، لتمرير الانتخابات على الأقل، وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث.

حتى الآن، يبدو أن هذا التفاهم نجح في تأمين أجواء معقولة لانتقال السلطة، بل إنه عزز فكرة "تحييد" الحكومة المقبلة؛ لئلا تصبح محطّ الصراع السياسي، ولذلك يبدو أن تكليف شخصية مستقلّة برئاستها، اتجاه شقّ طريقه على أن تضم وزراء من مختلف الأطياف الممثلة في البرلمان، عملاً بالمشاركة، وخصوصاً أن الانفراد بالسلطة غير متاح أصلاً بحكم التركيبة السياسية التي خرجت من صناديق الاقتراع. وهذا لم ينل رضا جميع "الندائيين"، إلا أنه شكّل أيضاً حلاً مبدئياً للتنافسات المتوقعة في ما بينهم، فالمهم ألا تؤدي مماحكاتهم الداخلية إلى تمكين خصومهم من تصيّد أخطائهم واستغلالها، فتتوافر لتجربتهم في الحكم كل أسباب النجاح لإبعاد مخاطر عودة الإسلاميين.

لا شك أن ذكريات العهدين السابقين، تركت الكثير من الهواجس في القلوب حين وقعت البلاد في فخّ الحكم الفردي، لكن الدستور الجديد الذي أعاد توزيع الصلاحيات بين السلطات استطاع أن يرسم توازناً فيما بينها. ومن المتوقع أن يمارس البرلمان الحالي مهماته كما يُتوقّع منه، وكذلك الحكومة التي وسّعت صلاحياتها ومسؤولياتها، فضلاً عن التوصيف الدقيق لإطار عمل رئيس الجمهورية. أي إن آليات الحكم وُضعت ويُفترض أن تعمل بتناغم. أما اللعبة السياسية فتبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، فهذه "الجمهورية الثانية" توشك أن تبدأ مسيرتها، وأمامها تحديات كثيرة على رأسها الأمن بما يشوبه من بؤر إرهابية مرتبطة بتنظيمات تنشط في الجزائر وتتأثر بما هو حاصل في ليبيا. وفي مواجهة ذلك لا بد للحكم الجديد من أن يبرهن في غضون وقت مقبول قدرته على إنهاض الاقتصاد، سواء ببث الثقة داخلياً لتنشيط المبادرات الصناعية والزراعية، أو خارجياً لتشجيع المستثمرين على الإسهام في استعادة الاستقرار. الأمن والاقتصاد مترابطان، وسيكونان على الأرجح محك الحكم المنتخب، فهذا بلد تراجعت أحواله منذ فُقدت الثقة بقدرات الدولة، ولا بد من تصحيح هذه الصورة التي تأثرت سلباً بوجود الإسلاميين في الحكم، لكنهم خرجوا منه الآن. ومثلما أجرت "النهضة" مراجعات أولية جعلتها تسهّل عملية الانتقال السياسي، يُفترض أيضاً أن يكون "الندائيون" الذين تصنّف أكثريتهم بأنها من رجالات العهد السابق، قد أجروا بدورهم مراجعاتهم لأخطاء المرحلة السابقة لئلا يعودوا إليها بتاتاً.
 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات