ما أهمية فتح دول عربية وغربية لبعض الأنشطة الاقتصادية في تجاوز تداعيات كورونا؟

  • 30 أبريل 2020

توجهت حكومات دول عربية ودول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية نحو إعادة العمل في بعض قطاعاتها وأنشطتها الاقتصادية، انطلاقاً من محاولاتها الجادة في احتواء الآثار الاقتصادية لسياسة الإغلاق التي اتبعتها في الشهرين الماضيين، وذلك بعد أن حققت بعض هذه الدول تقدماً ملحوظاً على صعيد تقليص عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن فيروس كورونا.

على المستوى العربي، قررت المملكة العربية السعودية مؤخراً فتح المنشآت التجارية والمجمعات التسويقية الكبرى بشكل جزئي، بدءاً من الأربعاء الماضي، حيث أشارت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية إلى مجموعة تدابير وقائية تحمي من فيروس كورونا في بيئة العمل، تضمنت التقليل من الاجتماعات وورش العمل، ومنع مخالطة الموظفين، واعتماد الاتصال المرئي وتفعيل العمل عن بعد، مؤكدة تجهيز خطط لتقليل عدد الموظفين في مكان العمل وتقسيمهم إلى فرق، بجانب تطبيق ضوابط السلامة المهنية في مكان العمل؛ مثل: توفير أجهزة تنقية الهواء عالية الكثافة، وزيادة مصادر التهوية الطبيعية أو الميكانيكية وإضافة العلامات الإرشادية لكيفية غسل اليدين، وغيرها من الإجراءات الاحترازية.

وكانت أمانة الرياض قد دعت إلى تطبيق 30 اشتراطاً احترازياً لفتح المنشآت؛ من بينها عدم استخدام الأوراق النقدية والتعامل قدر الإمكان بوسائل الدفع الإلكترونية، وغلق أماكن قياس الملابس وغرف أداء الصلوات وإزالة المقاعد وأماكن الجلوس. كما سمحت مؤسسة النقد السعودي «ساما»، بتشغيل كامل فروع البنوك ومراكز التحويل اعتباراً من يوم الثلاثاء الماضي، ملزمة تلك البنوك باتخاذ الإجراءات الاحترازية للوقاية من الفيروس، والتقيد بأوقات العمل المحددة في شهر رمضان، حيث يكون العمل لدى الإدارات العامة بحدها الأدنى، مع مراعاة المساحة الكافية للتباعد بين الموظفين، وتوفير نقاط فرز في مداخل مقار العمل، ومداخل الفروع ومراكز التحويل لقياس درجة حرارة الموظفين، وتوفير المعقمات اللازمة والاحتياطات الوقائية كافة.

ويلحظ المتتبع لهذه الإجراءات أثرها الإيجابي على سوق الأسهم، فمنذ أن صدر الأمر الملكي برفع منع التجوال جزئياً، وعودة الأنشطة الاقتصادية، قفز مؤشر سوق الأسهم السعودية بأكثر من 3.5%، فيما سجّل كثير من أسهم الشركات مكاسب مرتفعة وأداءً نشطاً، تصدّرها سهم «أرامكو السعودية» بارتفاع نسبته 3%، بينما سجل سهمي «سابك» و«مصرف الراجحي» ارتفاعاً بنسبة 3% لكل منهما. كما ستنعكس عودة الحياة جزئياً للأنشطة الاقتصادية إيجابياً على الاقتصاد والقطاعين الصناعي والتجاري في المملكة، ويخفف من المعاناة الاقتصادية التي تعاني منها المنشآت، وخاصة تلك المتعلقة بتدفقاتها النقدية، إضافة إلى تخفيف العبء عن الحكومة في تحمل التبعات الاقتصادية للجائحة، ويمهد إلى العودة السريعة لتعزيز قطاع الأعمال.

أما المملكة الأردنية الهاشمية، التي اتخذت مبكراً إجراءات عمليّة لاحتواء الفيروس، وأغلقت العمل في المؤسسات الخاصة والعامة، واتخذت قراراً بحظر التجول وإغلاق المحافظات، فقد تمكنت من تقليص الإصابات والوفيات إلى حدودها الدنيا، وهو ما جعلها تسمح بعمل المنشآت الخاصة بنسبة تصل إلى 60% من العاملين، وقللت لاحقاً من إجراءات حظر التجول وسمحت للمواطنين والمركبات العامة والخاصة بالتنقل ضمن شروط، لتجعل كل تلك الإجراءات رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للأردن، كريستوفر غارفس، يتوقع بأن يستعيد الاقتصاد الأردني وتيرة نموه بشكل أسرع من الدول الأخرى، وخاصة مع اعتماد برنامج تمويل جديد سيعمل على تحفيز الاقتصاد خلال الأشهر القليلة المقبلة.

لقد انتهج الأردن منظومة تدريجية في عمل القطاعات، حيث استثنت في البداية قطاعات اقتصادية وخدمية من قرار تعطيل القطاعين العام والخاص؛ كالقطاعات الغذائية والصحية والدوائية ومحطات الوقود، وعندما أعادت فتح باقي الأنشطة الاقتصادية، فإن التوقعات تأتي إيجابية بشأن تجنيب المملكة الدخول في أزمة اقتصادية، وخاصة أنها تعاني ارتفاعاً في معدلات البطالة التي بلغت خلال الربع الرابع من العام الماضي 19% فيما بلغت نسب الفقر 15.7%، وفقاً لآخر الأرقام الرسمية.

ويتوقع خبراء أن يسهم استئناف عمل الأنشطة الاقتصادية في الأردن في مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل أكثر من 90% من إجمالي الشركات العاملة، على الصمود ومواصلة نشاطها خلال الفترة المقبلة. كما أن عودة النشاط الاقتصادي فيها ستعمل على تقليص الخسارات التي تعرضت لها الشركات الكبرى والمتوسطة والصغرى، نتيجة تقلص الإنتاجية والتوريد، فجاءت قرارات الحكومة الأردنية مثلاً في تمكين مصانع الأدوية والمعقمات والكيماويات والأعمال الزراعية من استئناف التصدير إلى الخارج.

وفي أوروبا، بدأت معظم دول القارة منذ منتصف إبريل التخفيف التدريجي لقيود سياسات الاحتواء بعد تباطؤ عدد الذين أُدخلوا إلى العناية المركزة والمستشفيات، حيث قررت ألمانيا إعادة فتح جزء من محلاتها التجارية التي لا تزيد على 800 متر، وعودة المدارس والسماح بالشعائر الدينية اعتباراً من الرابع من مايو. وفي الدنمارك عاد نصف التلاميذ إلى مدارسهم، وأعادت النمسا فتح المحلات التجارية الصغيرة غير الأساسية، كما أعادت إيطاليا فتح المحلات. أما إسبانيا فقد استأنفت بعض القطاعات نشاطها، مع عودة عمال البناء والمصانع إلى عملهم بعد أسبوعين من التوقف. كما أعادت ليتوانيا فتح بعض المحلات التجارية، فيما أعدت فرنسا خطة لرفع إجراءات العزل تدريجياً اعتباراً من 11 مايو.

أما في الولايات المتحدة، فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 17 إبريل الجاري ملامح خطته لإعادة فتح الاقتصاد، وفق ثلاث مراحل: المرحلة الأولى ستبدأ من 1 مايو، مُشيراً إلى أنه ستتم إعادة فتح الولايات بشكل فردي. وفي المرحلة الأولى من إعادة فتح الاقتصاد الأمريكي، ستبقى المدارس مغلقة، فيما يمكن للمنشآت الكبيرة العمل، بما فيها بعض المطاعم والصالات الرياضية، وفقاً لبروتوكولات التباعد الاجتماعي. وقبل أيام قليلة أعلن حاكم ولاية نيويورك، أندرو كومو، إمكانية استئناف بعض الأنشطة الصناعية وورش البناء بعد 15 مايو المقبل، مشيراً إلى أن ذلك سيتم أولاً بشمال الولاية وليس في مدينة نيويورك، التي قال إن الأمر في جنوب الولاية «سيكون أكثر تعقيداً» حيث العاصمة الاقتصادية للبلاد، وإن استئناف بعض الأنشطة الصناعية والبناء فيها هو أول مرحلة في خطة إعادة تشغيل اقتصادها، يعقبها بأسبوعين بدء المرحلة الثانية، التي تتضمن عودة أنشطة تجارية أخرى.

لقد أدركت هذه النماذج الدولية التي أعادت فتح أنشطتها الاقتصادية، ولو بشكل جزئي، ضرورة هذا القرار في إنعاش الوضع الاقتصادي، ومنح رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص والمواطنين دوراً في ذلك، وخاصة بعد أن تبين حجم الانعكاسات الاقتصادية الناجمة عن تعليق الحياة الاقتصادية، ليبدأ التعويل على التخفيف عن المنشآت الاقتصادية المتبقية، وعودة عجلة الإنتاج إلى الدوران مرة أخرى في المصانع والمتاجر والمحال، واستعادة الآمال باتجاه تفادي خسائر فادحة في أرباح الشركات، وإنعاش فرص الإبقاء على بعض الوظائف التي باتت مهددة بفعل تداعيات كورونا، ليبدأ لاحقاً تجهيز فتح الاقتصاد بشكل كلّي فيما لو تمت السيطرة بشكل أكبر على تفشي الوباء.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات