ماذا وراء فوز الليبراليين في الانتخابات الليبية؟

  • 29 يوليو 2012

أجريت أول انتخابات برلمانية (انتخابات المؤتمر الوطني العام) في ليبيا بعد خمسة عقود في السابع من يوليو الجاري، في ظل إشراف هيئة مستقلة هي المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وعلى أساس نظام انتخابي يجمع بين القوائم الحزبية النسبية (40% من المقاعد)، والانتخاب الفردي على أساس الأغلبية (60% من المقاعد). وتتحدد مهمة  المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في اختيار حكومة جديدة، وإدارة الجزء الثاني من المرحلة الانتقالية، وإعداد قانون ينظم انتخاب اللجنة التأسيسية التي ستصوغ دستوراً جديداً للبلاد.

وقد أسفرت الانتخابات، والتي شهدت نسبة مشاركة عالية تجاوزت الـ60%، عن فوز تحالف القوى الوطنية، الذي يتزعمه محمود جبريل، بأكثرية مقاعد القوائم الحزبية (48.8% أو 39 مقعداً)، فيما حل حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين تالياً بحصوله على 17 مقعداً أو 21.3% من هذه المقاعد. وتقاسمت أحزاب صغيرة المقاعد المتبقية. ومن المبكر الحديث عمن سيكون له الأغلبية أو حتى الأكثرية داخل البرلمان؛ حيث إن 60% من مقاعده (أي 120 من أصل 200 مقعد) حازها المستقلون الذين يصعب تصنيفهم فكرياً أو معرفة انتماءاتهم السياسية قبل انعقاد الجلسات البرلمانية. ويضم النواب المستقلون خليطاً غير متجانس من المحامين ورجال الأعمال والنشطاء والمعارضين السابقين لنظام القذافي، وينتمون إلى مشارب سياسية وخلفيات فكرية شتى، وانتُخب كثيرٌ منهم على أسس قبلية ومناطقية. ويحاول كل من "تحالف القوى الوطنية" و"العدالة والبناء" استمالة المستقلين لتشكيل أغلبية داخل البرلمان، فيما يتحدث بعض المستقلين عن سعيهم إلى تكوين كتلة ثالثة خاصة بهم.

وتثير نتائج الانتخابات الليبية عدة تساؤلات، لعل أكثرها رواجاً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تتعلق بمدى كونها مؤشراً على تراجع الصعود السياسي للإسلاميين في المنطقة. وقد أفاض المعلقون والمحللون في تفسير هزيمة الإسلاميين بكافة فصائلهم (إخوان وسلفيون وجهاديون) في الانتخابات، بيد أنهم أهملوا الفائز الحقيقي في الانتخابات، وهو "تحالف القوى الوطنية" ذو التوجهات الليبرالية بزعامة جبريل، رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الوطني الانتقالي-ليبيا في الفترة من مارس إلى أكتوبر 2011.

وإذا كان الأداء الانتخابي السيئ للإسلاميين في ليبيا يمثل ظاهرة مفاجئة ومخالفة لمعظم التوقعات التي كانت تعطي التقدم لهم، سواء بالنظر إلى الحضور البارز للتيارات الإسلامية في المجتمع الليبي المحافظ، أو بالنظر إلى دور الإسلاميين في الانتفاضة التي أطاحت بنظام القذافي، أو بالنظر إلى الوضع الإقليمي والعربي الذي يتميز بصعود لافت للإسلاميين، فإن الظاهرة الأكثر إثارة وتستحق الاهتمام الأكبر هي فوز أصحاب الاتجاهات الليبرالية. كما أن التركيز على تفسير لماذا تصدّر هؤلاء المشهد الانتخابي لا يخلو من فائدة للباحثين السياسيين. فعلى عكس الحكمة التقليدية التي يذهب أنصارها إلى أن الليبراليين ليس لهم أرضية حقيقية أو شعبية واضحة في العالم العربي، والتي تأكدت أكثر إثر عدة تجارب انتخابية في شمالي أفريقيا، جاءت الانتخابات الليبية لتثبت أهمية مراجعة هذه المقولة. علاوة على ذلك، فإن التركيز على الإسلاميين، في فوزهم وهزيمتهم، يوفر دعاية مجانية لهم من جهة، ويجعلنا متحيزين – حسب النية – ضد أحد الطرفين من جهة أخرى. وعليه، تحاول هذه المقالة تفسير فوز تحالف القوى الوطنية ذي التوجه الليبرالي في الانتخابات الليبية.

يضم تحالف القوى الوطنية عدداً كبيراً من التجمعات السياسية (أكثر من 40 تجمعاً سياسياً) ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة ذات الخلفية التكنوقراطية. ولعل هذا التجمع الليبرالي مقابل انقسام الإسلاميين بين عدة أحزاب سياسية (نحو ستة أحزاب أبرزها "العدالة والبناء" و"الوطن" و"الوطني الديمقراطي") يفسر، ولو جزئياً، فوز التحالف وخسارة الإسلاميين. ومن الواضح أن الجنوح للتوافق مع الآخر من جانب زعيم التحالف الوطني، محمود جبريل، ليست مسألة تكتيكية. فعقب الانتخابات، دعا جبريل كل الأحزاب السياسية على اختلاف مشاربها إلى المشاركة في تأليف حكومة وحدة وطنية، تكون مهمتها الأولى إعادة بناء ليبيا.

بالإضافة إلى ذلك، يضم التحالف عدداً من الشخصيات المعروفة لليبيين، سواء على المستوى الوطني أو المناطقي أو القبلي، وعلى رأسهم محمود جبريل الذي كان بمثابة رئيس الوزراء ومسؤول العلاقات الخارجية في أكثر فترات الانتفاضة الليبية حرجاً (مارس-أكتوبر 2011). وقد ساهم جبريل مساهمةً بالغةً في كسب التأييد الدولي للمعارضة المسلحة التي أطاحت بنظام القذافي، وفي نيل اعتراف كثير من الدول بالمجلس الوطني الانتقالي والحكومة التي شكلها. كل هذا أكسب جبريل دعماً له في صفوف الرأي العام الليبي. وفي الحالة الليبية، حيث تُجرى الانتخابات لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، فإن لمعرفة الناخب بالمرشحين دوراً كبيراً في تحديد اتجاهه التصويتي. ويدفع البعض بأن عامل القبلية، ووجود عدد كبير من الشخصيات التي تتمتع بمكانة اجتماعية وقبلية مرموقة على قوائم التحالف الوطني، وانتماء جبريل نفسه إلى أكبر القبائل الليبية (قبيلة الورفلة)، كان له تأثير مهم في تصويت الناخبين لمرشحي التحالف.

وفي واقع الأمر، بدأ جبريل، رغم أنه لم يترشح بنفسه في الانتخابات، حملة حزبه الانتخابية مبكراً عقب خروجه من المجلس الوطني في أكتوبر 2011، في حين انشغل الإسلاميون بالتكوين التنظيمي لأحزابهم السياسية الناشئة (مثلاً: أعلن عن تأسيس أول حزب إسلامي وهو حزب "العدالة والبناء" في مارس 2012)، وجاء نزولهم إلى الشارع متأخراً. كما أن الخطاب الإعلامي المضاد للإسلاميين، سواء في العالم العربي أو خارجه، ووضعهم جميعاً حمائمهم وصقورهم في سلة واحدة ربما ساهم في عدم تصويت غالبية الناخبين للأحزاب ذات التوجهات الإسلامية. كما أن الممارسات والأخطاء التي ارتكبها المسلحون الذين يُحسبون على الإسلاميين في مرحلة ما بعد سقوط القذافي أثرت بشكل عام على صورة التيار الإسلامي، وربما حرمته من بعض الأصوات التي كانت محسومة لصالحه في السابق.

وإذا كانت التجربة الانتخابية الليبية قد ساهمت، بشكل أو بآخر، في مراجعة الحكمة التقليدية فيما يتعلق بشعبية ذوي الخلفية الليبرالية في العالم العربي، فإنها تساهم أيضاً في مراجعة حكمة تقليدية أخرى، يذهب أنصارها إلى وجود علاقة إيجابية آلية بين التدين والتصويت للإسلاميين. فقد يتفق كثير من المحللين على تفسير صعود الإسلاميين في مصر وغيرها من الدول العربية، ضمن عوامل أخرى، بتدين غالبية أفراد المجتمع؛ على أساس أن ثمة اتجاهاً غالباً من جانب المتدينين للتصويت لمرشحي الاتجاه الإسلامي. بيد أن الحالة الليبية تتحدى هذا النوع من الفهم. فعلى الرغم من درجة التدين والمحافظة العالية في المجتمع الليبي، فقد صوّت غالبيته للتحالف الوطني وليس للإسلاميين. وهذه ظاهرة أخرى أفرزتها الانتخابات الليبية في حاجة إلى مزيد من الدراسة. وفي تفسيرها، يرى البعض أن الالتزام الديني الذي يتمتع به الليبيون جعل الدعوات ذات الطبيعة "الإسلامية" لا تجد لها مكاناً بينهم؛ لأن غالبية الناخبين ليسوا في حاجة إلى من يدعوهم أو يعظهم، ولكنهم في مسيس الحاجة لمن يساعدهم على إعادة بناء بلادهم التي دمرتها الحرب.

والأهم من ذلك أن تحالف القوى الوطنية ذا الاتجاه الليبرالي نجح في تقديم نفسه جيداً إلى الناخب الليبي، حيث قدم نفسه كونه تياراً وسطياً معتدلاً، لا يخاصم التوجه الإسلامي لكثير من الناخبين، بل إن جبريل وصف تحالفه بأنه إسلامي معتدل، ورفض إطلاق لفظ "علماني" عليه، وأعلن التزامه بمبادئ الشريعة الإسلامية في الدستور والحكم. ولعل جبريل استفاد من تجربة الليبراليين المصريين الذين كان إنجازهم الانتخابي ضعيفاً؛ حيث لم ينجحوا في إقناع الناخب بأنهم غير مناهضين للشريعة وغير مخاصمين لتوجهات غالبية الناخبين. وقد رأى بعض المراقبين في تقديم التحالف الوطني لنفسه إلى الناخب الليبي مخاتلة انتخابية لخداعه، فيما ذهب البعض إلى أنه يعبّر عن توجه أصيل لمحمود جبريل وصحبه. ومن المبكر جداً ترجيح أي من الرأيين.

والخلاصة أنه ليس من الموضوعية والإنصاف التركيز على تراجع الإسلاميين في الانتخابات الليبية، وإهمال تقدم الليبراليين، وهي الظاهرة التي تستأهل التركيز والتحليل. كما أن تفسير تقدم الليبراليين في المشهد الليبي لا يخلو من فائدة للمراقبين والباحثين السياسيين؛ حيث أنه يساهم في مراجعة مقولات، صارت حكماً تقليدية في التحليل السياسي، تتعلق بعدم وجود أرضية لليبراليين في المنطقة العربية، وأن التصويت للإسلاميين دالة في التدين، وأن الليبراليين العرب مفارقين للتوجه الإسلامي لدى عامة الناس. والحاصل أن محمود جبريل وصحبه من أصحاب الخلفية الليبرالية في ليبيا قدموا، حتى الآن على الأقل، مثالاً جديداً لاتجاه ليبرالي توافقي لا يناهض أفكار غالبية الشعب ومعتقداته، ويجاهد لحل إشكالية العلاقة بين الأصالة والمعاصرة. 

Share