ماذا وراء خطاب تركيا «التصالحي» مع الاتحاد الأوروبي؟

  • 24 يناير 2021

منذ مطلع العام الجديد تتوالى رسائل تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، محمّلة بخطاب «تصالحي» عبر تصريحات رجب طيب أردوغان رئيس الدولة نفسه، ومولود جاويش أوغلو وزير خارجيته، بعد توترات متصاعدة بلغت ذروتها العام الماضي على خلفية عدد من الأزمات التي سببتها تركيا في علاقاتها مع دول أوروبية.

إن الأزمات التي تفجرت في علاقات تركيا مع دول أوروبية عدة، منها اليونان وفرنسا كان سببُها إصرار أنقرة على انتهاك الحدود المائية اليونانية في بحر إيجه وشرق المتوسط للتنقيب على الغاز الطبيعي، ودخلت في تلاسن لاذع مخالف للأعراف الدبلوماسية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وإضافة إلى ذلك واصلت ابتزازها السياسي لدول أوروبا من خلال التهديد الدائم بفتح المعابر الحدودية الأوروبية أمام اللاجئين المقيمين في تركيا.

وفي تطور مفاجئ مطلع هذا الشهر خلال بحث أردوغان مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، سبل تطوير العلاقات التركية الأوروبية وأهم المستجدات على الساحة الإقليمية صرَّح أن «انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من أولوياتنا السياسية»، وأعرب عن رغبته في «فتح صفحة جديدة». وأكد أهمية إعادة بناء الثقة، وإعادة تشغيل آليات التشاور، والابتعاد عمّا سمّاه التصريحات والأفعال الإقصائية والعنصرية ضد تركيا؛ لا بوصفها جارًا فحسب، بل بصفتها مرشحة للانضمام إلى هذا التكتل. وكان مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي قد أكَّد تصريحات أردوغان، تجاه أوروبا بقوله «إن تركيا ترى مستقبلها في أوروبا، وترغب في بناء هذا المستقبل» مشيرًا إلى أن أنقرة لا تزال ترى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي «أولوية استراتيجية» للبلاد.

وثمة متغيران أساسيان دفعا إلى ذلك التحول العكسي في موقف أردوغان تجاه الاتحاد الأوروبي، فأما الأول فمتغيِّر خارجي ارتبط بعودة الديمقراطيين إلى السلطة في الولايات المتحدة مع فوز جو بايدن بالرئاسة، وفقْد أردوغان تبعًا لذلك دعم الرئيس السابق دونالد ترامب القائم على العلاقات الشخصية المباشرة. ومن ثم فإن جهود أردوغان للتصالح مع الاتحاد الأوروبي حاليًّا ترتكز في الأساس على رغبته في إعادة تقديم نفسه أمام جو بايدن الرئيس الأمريكي الجديد بصورة متعاونة وقادرة على الانسجام مع سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة القائمة على التنسيق بين دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، ولاسيما أن بايدن له مواقف ضدَّ سياسات تركيا منذ أن كان نائبًا للرئيس الأسبق باراك أوباما، ووعد خلال حملته الانتخابية بمعاقبة تركيا، ودعم قوى المعارضة فيها من أجل هزيمة أردوغان. وأما المتغيِّر الآخر، فهو متغير داخلي يرتبط بالأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا في السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها العام الماضي؛ حيث تراجعت الليرة إلى أدنى مستوياتها أمام العملات الأجنبية. وأسهمت الخلافات التركية-الأوروبية في خلق مناخ من عدم الاستقرار انعكس سلبًا على الاستثمارات الأوروبية في تركيا.

وقابل الاتحاد الأوروبي خطاب تركيا التصالحي على لسان جوزيب بوريل، المتحدث باسم الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد بقوله «إن الاتحاد، رغم ترحيبه بالتصريحات التركية، لا زال ينتظر رؤية أفعال ووقائع محددة من أهمها خفض التصعيد في المتوسط وخلق أجواء إيجابية تسمح بحلِّ الخلافات وتطوير العلاقات ليس فقط مع بروكسل بل مع عواصم الدول الأعضاء كافة».

وتسعى تركيا إلى تحقيق المصالحة مع الاتحاد الأوروبي من خلال طَرْق العديد من الأبواب، منها إسبانيا والبرتغال؛ حيث زار وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو مدريد، وقال إن بلاده تقدِّر انتهاج إسبانيا موقفًا بنّاءً داخل الاتحاد الأوروبي يركِّز على الحوار والمفاوضات في القضايا العالقة بين تركيا وبعض دول الاتحاد. كما أكّد أن تركيا تثق بدعم البرتغال وفكرها الاستراتيجي لإعادة العلاقات التركية-الأوروبية إلى مسارها بما يحقق الفائدة للطرفين خلال فترة توليها الرئاسة الدورية للاتحاد. كما تم الاتفاق بين تركيا واليونان على بدء محادثات بشأن التنقيب عن موارد الغاز والنفط في شرق المتوسط غدًا الإثنين.

ويرجّح أن يلقى ذلك التحول التركي الإيجابي قبولًا لدى الاتحاد الأوروبي لالتقاء مصالح الطرفين سياسيًّا واقتصاديًّا، فضلًا عن القضايا المشتركة الخاصة بتمديد اتفاقية اللاجئين، ورغبة تركيا في معالجة خلافاتها مع اليونان بما يجعلها تتجاوز قرارات اجتماع المجلس الأوروبي التي قد تصدر ضدها في اجتماعه المقرر انعقاده في مارس المقبل.

Share