ماذا وراء إلغاء الدرع الصاروخية الأمريكية؟

ماذا وراء إلغاء الدرع الصاروخية الأمريكية؟

  • 12 أكتوبر 2009

في تطور مثير بالنسبة لكثير من المراقبين، متوقع بالنسبة لبعضهم، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في 17 سبتمبر 2009، إلغاء الخطط المتعلقة بإقامة نظام دفاع صاروخي، أو درع صاروخية، في أوروبا الوسطى ضد الصواريخ بعيدة المدى، ولاسيما تلك المحملة برؤوس نووية، المنطلقة من إيران أساساً ومن كوريا الشمالية كذلك. وقد حفز هذا التطور، وبصرف النظر عما واجهه من انتقادات هائلة أو قابله من استحسانات بالغة، تجديد المناظرة في الولايات المتحدة حول "الحلم الريغاني"، الذي صاغه صاحبه الرئيس رونالد ريغان في خطابه الشهير في مارس 1983، فيما عرف بمبادرة الدفاع الاستراتيجي وما ذاع إعلامياً باسم "حرب النجوم"، والذي يتعلق بإقامة نظام دفاعي صاروخي كفيل بتحطيم الصواريخ السوفييتية في الجو قبل وصولها إلى السماء أو الأرض الأمريكية، ومن ثم سلب السوفييت القدرة على توجيه الضربة الثانية، والقضاء على قاعدة توازن الرعب النووي التي حكمت العلاقات الدولية أثناء الحرب الباردة، وإعادة هيكلة النظام الدولي لصالح نظام أحادي القطبية تسوده الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن مبادرة الدفاع الاستراتيجي كانت، ولا تزال، حلماً لم يتحقق بعد، وثبت أنها غير ممكنة التطبيق، بل إن الخطوات التي اتخذت في سبيل ترجمتها عملياً، كإقامة قاعدتين للدفاع الصاروخي إحداهما في ألاسكا والأخرى في كاليفورنيا في عهد إدارة جورج دبليو بوش، لم تُختبر بعد، فإن الرئيس أوباما شدد على أن إدارته لا تتخلى عن نظام الدفاع الصاروخي ضد التهديدات (بعيدة المدى) للأراضي الأمريكية أو التهديدات (متوسطة وقصيرة المدى) الموجهة للحلفاء في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، ولا سيما إسرائيل.

ولكن ماذا عن البديل؟ اقترح الرئيس أوباما، ووزير دفاعه، روبرت غيتس، استبدال نظام الدفاع الصاروخي الذي كان مقرراً تأسيسه في بولندا وتشيكيا ضد التهديدات "الإيرانية" الصاروخية بعيدة المدى للأمن الأوروبي بنظام جديد متحرك محمول على السفن والبوارج الحربية ضد خطر الصواريخ الإيرانية متوسطة وقصيرة المدى على دول أوروبا الشرقية أو الحلفاء في الشرق الأوسط، ولاسيما إسرائيل ودول الخليج، أو القواعد الأمريكية في المنطقة. وفي مرحلة لاحقة، سوف يُشرع في بناء نظام دفاع صاروخي أرضي، يمكن تثبيته في أوروبا الوسطى، بداية من 2015. وقد بررت إدارة أوباما ذلك بأن النظام الجديد أفضل من نظيره الذي حاولت الإدارة السابقة إقامته في أوروبا الوسطى. فهو مرن في استجابته للتهديدات، و"مجرب" من قبل في الأسطول الأمريكي، وأقل تكلفة وأكثر فعالية، وممكن التطبيق تكنولوجياً، وعملي ولاسيما أنه وضع بعد ورود تقارير استخباراتية أكدت عدم امتلاك إيران صواريخ طويلة المدى (ولن تتمكن من حيازتها قبل 2018)، وأن صواريخها متوسطة وقصيرة المدى هي التي تمثل التهديد الأساسي لحلفاء أمريكا وقواعدها العسكرية في أوروبا والشرق الأوسط. وفي الحقيقة، فإن نظام أوباما الجديد يقلب "الحلم الريغاني" على رأسه؛ أي من الدفاع عن الأجواء والأراضي الأمريكية إلى الدفاع عن الحلفاء في الشرق الأوسط، ومن مواجهة دولة عظمى إلى الوقوف ضد دولة إقليمية. علاوة على ذلك، فإن الادعاء بأن النظام الجديد مجرب أو ذو جدوى تكنولوجية تغلفه أكثر من علامة استفهام كبيرة. ولذلك، يحتار بعض المحللين من بواعث الخشية الروسية من هذا النظام أو غيره، والذي لم يختبر بعد، ويجزم العديد من الخبراء بأنه غير ذي جدوى، تماماً مثل حرب النجوم.

وعلى الرغم من تطمينات أوباما، وسلفه بوش من قبل، أن إقامة الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا غير موجهة، ولا يمكنها أن تكون، إلى روسيا، فقد ثبت من التفاعلات حول قرار أوباما الأخير بالتخلي عن هذه الدرع أن روسيا كانت على حق حينما اعتبرت إقامتها تهديداً لأمنها القومي؛ يسلبها قوة الردع المتمثلة في القدرة على توجيه الضربة الثانية في حال تعرضها لهجوم أمريكي، واحتواء لقوتها داخل إقليمها، ومنع نفوذها من التمدد في أوروبا الشرقية. ولذلك نفهم حرص الرئيس أوباما على تأكيد التزام بلاده بالدفاع عن كل من بولندا وتشيكيا عضوي حلف شمالي الأطلنطي (الناتو) ضد أية تهديدات خارجية (روسية)، وإعلان الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف فور القرار الأمريكي تخلي بلاده عن خططها المتعلقة بنصب صواريخ دفاعية متوسطة المدى، من طراز اسكندر، في جيب كاليننجراد قرب الحدود البولندية.

وقد طرحت تفسيرات عدة للقرار الأمريكي بإلغاء الدرع الصاروخية، أكثرها وجاهة ما يتعلق بوجود صفقة سياسبة بين الولايات المتحدة وروسيا في إطار "إعادة تشغيل" علاقاتهما التي لا يزال شبح الحرب الباردة يخيم عليها، وضغوط الأزمة العالمية على الاقتصاد الأمريكي.

ولنبدأ بالتفسير الثاني، والمتعلق بضغوط الأزمة الاقتصادية العالمية على الولايات المتحدة. وفقاً لأصحابه، فإنه في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تعانيها أمريكا حالياً، فإنها لا تستطيع تحمل عبء إقامة درع صاروخية باهظة الكلفة. فقد جاء القرار  بإلغاء إقامة هذه الدرع في ظل زيادة عجز الموازنة الأمريكية الذي قفز إلى 1.4 تريليون دولار في أغسطس 2009، والذي يُتوقع أن يرتفع إلى 9 تريليون دولار خلال عقد من الزمن، ما يشكل أكثر من مجموع كل حالات العجز السابقة منذ تأسيس الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك نحو 11.4 تريليون دولار من الدين الوطني، فضلاً عن 55 تريليون دولار من الالتزامات غير الممولة لبرامج مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والطبية، وما يناهز 14 تريليون دولار التزامات أخرى تتعلق بخطط الإنقاذ الاقتصادي الذي يتبناها مجلس (بنك) الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، منها 3.7 تريليون دولار قد تم إنفاقها بالفعل. دون الحديث عن انهيار سوق العقارات، وحالات الإفلاس التي تجاوزت المؤسسات المالية وصناعة السيارات وغيرها إلى ولايات بكاملها، ولا سيما كاليفورنيا التي يمكن أن تتحول إلى ولاية فاشلة، بحسب "الأوبزرفر"، في 4/10/2009. كما أن قيمة الدولار قد انخفضت بنسبة 13٪ منذ مارس 2009، ويتوقع أن تستمر في الانخفاض؛ ما أدى إلى اتساع رقعة القلق الدولي من استمرار الدولار عملة الاحتياط الوحيدة في العالم، بل وتزايد المطالبات الدولية بإنشاء عملة احتياط دولية جديدة.

من ناحية أخرى، فإن احتمال إبرام صفقة بين الولايات المتحدة وروسيا حول ملف الدرع الصاروخية غير مستبعد على الإطلاق، بل تؤيده قرائن ودلائل عدة. وربما يتلخص مضمون هذه الصفقة في استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن بناء الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، مقابل أن تمارس روسيا الضغط على إيران لوقف برنامجها النووي، أو على الأقل وقف تخصيبها اليورانيوم. وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز، في 2/3/2009، رسالة سرية من الرئيس أوباما إلى نظيره الروسي في هذا الخصوص. وبصرف النظر عن إنكار الطرفين أو إثباتهما لها، فقد عبر الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون، عن مضمون هذه الرسالة في مناسبات عدة؛ بمعنى أن زوال الخطر النووي الإيراني ينهي الحاجة إلى بناء حائط صاروخي دفاعي في أوروبا، والذي "كان القصد منه دائماً هو ردع إيران والتصدي لأي صواريخ قد تطلقها". وفي زيارته إلى براغ بتشيكيا، في أبريل الماضي، أكد أوباما هذا المعنى. وربما تضمنت هذه الصفقة أيضاً إعادة النظر في صفقة الصواريخ الروسية، إس 300، إلى إيران (وقد وعد الرئيس ميدفيديف ضيفه الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، في شهر أغسطس الماضي بذلك)، وموافقة روسيا على تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران إذا لم تثمر مفاوضات جنيف في أكتوبر الجاري بين الأخيرة ومجموعة 5 + 1 أو الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (وقد ألمح ميدفيديف إلى احتمال موافقته على ذلك قبل يومين فقط من صدور القرار الأمريكي بشأن الدرع). كما قد تتضمن الصفقة تعاون روسيا في الملف الأفغاني؛ بمعنى فتح طريق لإمداد القوات الأمريكية في أفغانستان عبر أراضيها وحلفائها في آسيا الوسطى (وقد كانت روسيا إيجابية في هذا الخصوص أيضاً). علاوة على ذلك، فقد ذكرت التقارير الصحفية أن الصفقة تتضمن إحراز تقدم في المحادثات الجارية بين الطرفين حول تخفيض الأسلحة النووية الاستراتيجية، يشكل أساساً لمعاهدة جديدة تحل محل ستارت 1، التي ينتهي العمل بها في ديسمبر القادم، في ضوء الربط الروسي بين التقدم في المحادثات أو الالتزام بالمعاهدة في حال توقيعها وتسوية مسألة الدرع الصاروخية من ناحية، واستثمار الرئيس أوباما في هذا الموضوع وما يتصل به من موضوع منع أو الحد من الانتشار النووي بشكل يوحي أنه يريد أن يجعله تراثه الخاص من ناحية أخرى.

ولكن ماذا ستحصل روسيا في المقابل، بالإضافة إلى التخلي عن مسألة الدرع الصاروخية؟ أولاً، تجميد تمدد الناتو إلى ما تعتبره روسيا منطقة نفوذها المباشر، وبصفة خاصة جورجيا وأوكرانيا. وترى روسيا أن الإصرار على مزيد من توسيع حلف الناتو حتى الحدود الروسية يهدف إلى محاصرتها، طبقاً للرئيس ميدفيديف، ويعد من آثار الحرب الباردة، على حد تعبير وزير الخارجية سيرجي لاڤروڤ. وبالفعل، تدل كل المؤشرات على الاستجابة الأمريكية للمطلب الروسي، رغم أن قمة الناتو الأخيرة في ستراسبورج (أبريل 2009) قررت ترك الباب مفتوحاً أمام انضمام أعضاء جدد. والأهم من ذلك أن الرئيس أوباما وعد نظيره الروسي في موسكو في أوائل يوليو 2009 أن إدارته لن تضغط على الناتو بقوة، كما كانت تفعل الإدارة السابقة، لقبول عضوية هاتين الدولتين. كما أن تحسن العلاقات بين روسيا والناتو تنهض دليلاً آخر على هذا التجميد. ثانياً، تطبيع العلاقات التجارية بين الدولتين، وبصفة خاصة إعادة النظر في قانون جاكسون-فانيك الأمريكي، الصادر في 1974، والذي يفرض قيوداً على التبادل التجاري مع روسيا (وقد وعد الرئيس أوباما بذلك أثناء زيارته لموسكو)، وتيسير التحاق روسيا (مع كازاخستان وبيلوروسيا) بمنظمة التجارة العالمية. وقد جدد رئيس الوزراء الروسي، فلاديمير بوتين، هذا المطلب غداة صدور القرار الأمريكي بشأن الدرع الصاروخية، والذي وصفه بأنه صائب وشجاع. ومن القرائن على وجود الصفقة أيضاً مسارعة المسؤولين الأمريكيين إلى نفي ما أشيع من أن الولايات المتحدة سوف تقوم ببناء درعها الصاروخية في البلقان بدلاً من أوروبا الوسطى.

بعبارة واحدة، فعلى عكس إدارة ريجان، وجدت إدارة أوباما نفسها غير قادرة اقتصادياً على جر روسيا إلى سباقٍ جديدٍ للتسلح، ومن ثم إشعال حرب باردة ثانية، وارتأت الأخيرة أن ذلك من مصلحتها؛ فكانت الصفقة بين الطرفين!

Share