مؤشرات تقدم في العالم الإسلامي

د. كينيث كاتزمان: مؤشرات تقدم في العالم الإسلامي

  • 20 أبريل 2006

عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، ضد الولايات المتحدة، ذهبت إدارة بوش إلى أن الشرق الأوسط/العالم الإسلامي قد "انكسر"، وأنه "لن يكون بوسعه أن يعود كما كان". ووفقاً لهذه الإدارة، فإن وجود الأنظمة الشمولية في العالم الإسلامي، والاقتصادات المتحجرة التي تديرها الحكومات، سبّب استياء وكراهية دفعت المواطنين للانضمام إلى الحركات والتنظيمات الإرهابية. وانطلاقاً من هذا التحليل، وضعت "الإدارة" وصفة علاجية تتخذ بموجبها الولايات المتحدة خطوات حاسمة لتدعيم الديمقراطية في المنطقة، بما في ذلك الضغط على حلفائها الاستبداديين لإجراء الانتخابات. وقد بلغ تمسك "الإدارة" بهذا التحليل والخيار العملي حداً جعلها تنظم حملة عسكرية شاملة لإطاحة صدام حسين كوسيلة لنشر الديمقراطية.

ولكن، على العكس من آراء الإدارة، توجد مؤشرات تدل إلى تطور حدث مستقلاً ومنفصلاً عن أي ضغط أو تدخل أمريكي في كافة أنحاء  الشرق الأوسط والعالم الإسلامي العريض. كما أن كثيراً من بذور الإصلاح التي تعطي الآن ثمارها في جميع أنحاء المنطقة كانت قد زرعت منذ زمن طويل قبل تولي إدارة بوش مقاليد السلطة عام 2001.  وبطبيعة الحال، سيقول كثيرون إن بعضاً من مؤشرات الحيوية هذه تعدّ هامشية أو جانبية بالنسبة إلى الهدف الأكبر المتمثل في بناء ديمقراطية على النمط الغربي. غير أن النجاح في العالم العربي والإسلامي أنعش الأمل في إقناع شباب المنطقة بأن التعليم والمثابرة والنشاط الحر كلها عوامل يمكنها أن  تعزز الشعور العربي والإسلامي بالاعتزاز، وتضع حداً للإحساس بالتبعية للغرب والهزيمة أمام إسرائيل الأقوى والأكثر تقدماً. وفي هذا إدراك جيد وإيجابي لمتغيرات المستقبل التي يعتقد كثيرون أنها ستحرم الجماعات الإرهابية من المجندين الجدد.

هناك نماذج للإصلاح والتسامح السياسي والاجتماعي يمكن مشاهدتها في العالم العربي والإسلامي؛ ففي إندونيسيا الدولة الإسلامية الأكبر تعداداً، ترسخت أركان الديمقراطية بعد عقود من الهيمنة العسكرية. وشهدت ماليزيا انتقالاً سلمياً للسلطة بعد انتخابات أخرجت الدولة من عهد مهاتير محمد. وفي الكويت، تتزايد قوة مجلس الأمة (البرلمان)، الذي لعب دوراً في حل مشكلة خلافة الحكم في يناير/كانون الثاني 2006، وذلك لأول مرة في تاريخ الكويت. أما باكستان فما زالت تعاني حكماً شمولياً تحت زعامة الرئيس برويز مشرف على المستوى القومي، غير أن مشرّف استطاع أن  يؤسس لقدر من المشاركة السياسية القاعدية في الانتخابات المحلية الأخيرة التي أعطت المواطنين فرصة للمشاركة في تسيير شؤون الحكم المحلي.  وفي دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، فإن الرافعات المستخدمة في تشييد المكاتب العصرية والمساكن تتخلل الأفق. وفي هذه المناطق تفرغ الطائرات حمولاتها من السياح الأوربيين وغيرهم ممن تجذبهم الفنادق العصرية والحياة المتزايدة الازدهار، في مشاهد ربما كان يصعب تصورها قبل نحو عشرين عاماً. وقد سنّت الإمارات العربية المتحدة وقطر قوانين جديدة تبيح للوافدين تملك العقارات، والإقامة الدائمة.

توجه إدارة بوش الكثير من الانتقادات لمصر لتخلفها في مجال الإصلاح السياسي، غير أنها طورت مناطق سياحية حيوية في شرم الشيخ وغيرها من المواقع على سواحل البحر الأحمر. كذلك يطور الأردن قطاعه السياحي بإنشاء مشروعات سياحية كبرى في سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة. وقد وفر القطاع السياحي لمواطني هاتين الدولتين وظائف ذات دخول جيدة، وأدى إلى  تشجيع الإبداع، وتوفير فرص عمل في مجال التصميمات  الدعائية والإعلانية وإنشاء وكالات جديدة للإعلان. وهنا نذكر أيضا أن الحملات الماليزية للترويج السياحي نالت إعجاباً واسعاً بما تتضمنه من ابتكار وفاعلية. وتدل هذه الأمثلة على أن الدول العربية والإسلامية تمتلك، حين تتوافر الإرادة والعزيمة، القدرة على تنويع اقتصاداتها، وإظهار المرونة اللازمة لتنشيط قطاعاتها السياحية.

يمكن ملاحظة الكثير من نماذج الإبداع والنشاط الحر في كافة أرجاء المنطقة؛ ففي المملكة العربية السعودية هناك الملياردير والمستثمر العالمي الأمير الوليد بن طلال، الذي استغل استثماراته لتطوير بعض الأوضاع في سوق العمل السعودية وغير ذلك من أوجه الإصلاح الاقتصادي والسياسي. وعلى الرغم من أن بعض السعوديين قد يرون أنه بدأ نشاطه متمتعاً بميزة كبيرة كواحد من أعضاء العائلة المالكة، فإن الكثيرين يثمنون دوره كنموذج مهم استطاع أن يتفوق على البعض من أذكى رجال الأعمال الغربيين في ساحةٍ  يخضع فيها الجميع لقوانين الاستثمار الغربية ولا يتمتع فيها فرد بأي مزايا خاصة.

وثمة نماذج ناجحة أخرى أخذت تلمع في سماء المنطقة؛ منها شركات بدأت تكتسب شهرة عالمية وتحقق الإنجازات في ساحات تتساوى فيها الفرص مع الشركات الغربية. وتوفر شركة "طيران الإمارات" ومقرها دبي، مثالاً حياً لهذه الشركات، إذ إنها تعدّ واحدة من أفضل شركات الطيران في العالم، رغم حداثة عهدها نسبياً.

ومثال آخر أيضا شركة "أوراسكوم" للاتصالات، ومقرها مصر، وهي تمد الآن فروعها في كافة أنحاء العالم، وتعتبر لاعباً أساسياً في سوق الهواتف الخلوية الناشئ في عراق ما بعد صدام، وغير ذلك من المبادرات. وهناك نموذج آخر يتمثل في شركة الاتصالات الوطنية (بتلكو)، ومقرها البحرين، وهي الأخرى تمتد وتتوسع في العالم العربي. وكما ظهر خلال الجدل الذي دار أخيراً في الولايات المتحدة، ظهرت مواني دبي العالمية كإداري متميز  يمتلك القدرة على شراء موجودات إحدى أهم شركات إدارة المواني في العالم.  ولكن بالرغم من ذلك، تعثرت تلك الصفقة لإدارة ستة موانٍ رئيسة بالولايات المتحدة بسبب مخاوف أبداها الرأي العام الأمريكي من احتمال تأثر التدابير الأمنية في المواني التي ستديرها الشركة. 

ومن الجوانب المشرقة الأخرى في العالم العربي انتشار القنوات الفضائية التي تتصدرها قناة "الجزيرة" الواسعة الشهرة، ومقرها دولة قطر. وقد أظهرت الاستطلاعات أن قناة "الجزيرة" صارت واحدة من أكثر القنوات الفضائية شهرة في العالم، مما أدى إلى ظهور  عدد من القنوات التي تقلدها وتنافسها في بعض الدول العربية والإسلامية. ورغم أن هذه القنوات، بصفة عامة، تشجع المحتوى والأخبار الناقدة لسياسات الولايات المتحدة، فإنها تعزز الانفتاح والنقاش الحر في دولٍ ومنطقة كانت تفتقر إلى هذا النوع من التعبير.

خلاصة القول، إن ومضات الإصلاح والإبداع والحيوية في العالم العربي والإسلامي تدل إلى أن هذه المنطقة، على النقيض من بعض المزاعم، ليست منطقة كوارث يكمن في أزقتها الإرهاب؛ فالعالم العربي والإسلامي ليس بالضرورة بحاجة إلى عملية "إصلاح" برعاية الولايات المتحدة. كما أن الاتجاهات الإيجابية الظاهرة تقريباً في كل ركن من أركان المنطقة، ربما باستثناء العراق وإيران، من المرجح تعزيزها بإشادة الولايات المتحدة ودعمها الإعلامي.

ومن ثمّ فإن تقوية وتوسيع نطاق هذه النماذج والنجاحات العربية والإسلامية، بلا شك، سيؤدي إلى بعث الأمل الذي يحتاجه شباب المنطقة لاستثمار المستقبل، ورفض الرؤى السلبية والظلامية التي تطرحها المجموعات الإسلامية المتطرفة مثل "القاعدة".

Share