"مؤسسة الإمارات" والأدوار المطلوبة للقطاع الخاص

"مؤسسة الإمارات" والأدوار المطلوبة للقطاع الخاص

  • 24 مايو 2005

بقدر ما يعكس إطلاق "مؤسسة الإمارات"، التي تتولى تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في دولة الإمارات العربية المتحدة من إيجابيات، فإنه يثير في الوقت نفسه كثيراً من التساؤلات بشأن مدى تحمل القطاع الخاص لمسؤوليته في دعم مسيرة التنمية بالدولة، واضطلاعه بدوره في نهضة المجتمع وتقدمه، ومواجهة التحديات الجديّة التي تطرحها التطورات العالمية المتسارعة على مختلف الصعد.

لقد أعلن في منتصف أبريل/نيسان 2005، عن ولادة "مؤسسة الإمارات"، التي ستعمل على تأمين الموارد المالية الثابتة والدائمة للعديد من مراكز التفوق والمؤسسات التعليمية، وتكون قاعدة انطلاق للمشروعات المستقبلية المشتركة بين القطاعين العام والخاص. وقد أنشئت المؤسسة بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وبمتابعة وإشراف مباشرين من سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

واختيار التعليم والتدريب مجالاً أول لنشاط المؤسسة إنما يعكس تفعيلاً وتطويراً لخيار "الاستثمار في البشر" الذي اعتمدته دولة الإمارات منذ وقت طويل، وإدراكاً لضرورات وشروط "الاقتصاد المبني على المعرفة" الذي تسعى الدولة إلى ترسيخ أسسه. وليس هناك من شك في أن مناخ التفاؤل والترحيب الذي لقيته المبادرة والمؤسسة لـه ما يبرره، خاصة مع اختيار مشكلة مزمنة في مستهل أعمالها، هي مشكلة التعليم، لوضعها في بؤرة الاهتمام، وتركيز الجهود من أجل وضع حلول علمية وواقعية لها. ولا يخلو هذا الاختيار من شجاعة أيضاً، بحكم ما تتسم به مشكلة التعليم من تعقيد وتشابك، وما لقيته التجارب الماضية لمواجهة المشكلة من إخفاق.

من جهة أخرى فإن هذه المعادلة، وفق السيناريو الأفضل، تتضمن وصفة نجاح مؤكد، إذ يحول وجود القطاع الخاص دون حدوث الترهل الإداري أو سيطرة البيروقراطية والاتكالية، وتسود روح المبادرة والإنجاز والمسؤولية، وحساب الأرباح والخسائر، أو العائد والتكلفة، بمعناه الإيجابي. أما القطاع الحكومي أو العام فسوف يضمن تحقيق الصالح الاجتماعي، واختيار وتنفيذ المشروعات وفق رؤية أوسع للجدوى الاقتصادية تشمل الأبعاد الاجتماعية وترسيخ القيم الإيجابية، وضمان ارتباط هذه المشروعات بخطط التنمية ورؤاها على مستوى الدولة ككل، بحيث لا تتحول المؤسسات التعليمية التي تنشأ بمبادرات من القطاع الخاص إلى عامل من عوامل الخلل التعليمي كما هي حال بعض المؤسسات القائمة حالياً، فقد توافرت لها سلامة القصد والنية دون أن تتوافر لها سلامة اختيار المجال.

ولكن هذا الجانب الإيجابي لا يواري عدداً من الملاحظات المهمة بشأن دور رجال الأعمال والقطاع الخاص في مسيرة التنمية، وهي ملاحظات مثيرة للقلق على وجه العموم. فقد أطلقت المبادرة من جانب القيادة السياسية للدولة لا من جانب رجال الأعمال والقطاع الخاص، وهي "صورة مقلوبة" نوعاً ما لطبيعة "المبادرة" التي ترتبط بقوة بالقطاع الخاص، بما هو عليه من جاهزية وحيوية وسرعة إيقاع، في الوقت الذي يرتبط فيه الأداء الحكومي عادة بالبطء والنمطية؛ أي إننا أمام نوع من تبادل الأدوار، لا يخفي جانبه الإيجابي جانبه السلبي. وبدلاً من أن يستبق القطاع الخاص حركة المجتمع، ويصبح قاطرة للحراك الإيجابي والإبداع الفكري والاجتماعي، فإنه يقبع في انتظار أن يتحرك الآخرون ويحددوا له دوره.

من جهة أخرى فإن إنشاء المؤسسة ذات الطابع الرسمي ربما يعكس نوعاً من أنواع "اليأس" من أداء القطاع الخاص لدوره الاجتماعي بصورة طبيعية، ووفق آليات ومعطيات ذاتية تتفق وتقاليده في معظم الدول المتقدمة من جهة، وتقدم من جهة ثانية بادرة إيجابية تجاه كل أنواع التسهيلات والإعفاءات التي تحرص الدولة على توفيرها، وهي تسهيلات لا تجد لها نظيراً في أي مكان آخر في العالم تقريباً، إضافة إلى بيئة العمل الآمنة والمزدهرة التي تشارك في صنعها منظومة الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، ويلزم الحفاظ عليها من جانب القطاع الخاص، ولو لدواعي استمرار تدفق المكاسب التي تتحقق لـه في ظل هذه الظروف، دون إغفال الدوافع الوطنية التي ينبغي أن تكون إطاراً لمساهمات هذا القطاع في عملية التنمية بطبيعة الحال.

الأخطر مما سبق أن يعتبر القطاع الخاص ورجال الأعمال أن دورهم الاجتماعي وواجبهم تجاه المشاركة الفعالة في تطوير مجتمعهم سيتوقف عند المشاركة في أنشطة "مؤسسة الإمارات" وفعالياتها، ومن ثم فلا حاجة بعد إلى تبرعاتهم وجهودهم ومساهماتهم في مختلف أوجه النشاط الاجتماعي والخدمي والتنموي. فمن الواجب النظر إلى "مؤسسة الإمارات" باعتبارها إحدى صور مساهمة القطاع الخاص في عملية التنمية، وشكلاً من الأشكال التنظيمية التي ينبغي أن يبدع المخلصون من رجال الأعمال بالدولة نماذج وأشكالاً مناظرة لها، في الإطار ذاته.

هناك عشرات المجالات التي يمكن للقطاع الخاص أن يسهم فيها، انطلاقا من حاجات المجتمع وخصوصيته، مثل رعاية الفنون والآداب، وتشجيع الموهوبين فيها، ودعم البحوث العلمية وثيقة الصلة بالمجتمع، مثل بحوث الأمراض المتوطنة، أو المحاصيل الصحراوية، أو بحوث المياه، وهناك أيضاً مجال المعلومات الواعد بكل فروعه وتطبيقاته، وهو مجال يفتح الباب أمام عشرات المبادرات والأفكار المبدعة للتأهيل والتدريب والإعداد والابتعاث والتطوير، لخلق بيئة معرفية ومعلوماتية متقدمة تقوم عليها النهضة التي يتطلع إليها الجميع. وإلى جانب ذلك يمكن دعم نشاط المجتمع المدني وتطويره، ودعم القطاع الخدمي في المناطق التي تشكو نقصاً في هذا المجال، وتتباطأ الجهات الحكومية في الوصول إليها، وغير ذلك من أوجه النشاط التي يمتد أثرها إلى تقوية دعائم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وإقامة أسس راسخة لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً. وسوف يجني مواطنو الدولة جميعاً ثمار هذه المشاركة الإيجابية، لكن المؤكد أن هذا الاستقرار والازدهار سيعني بيئة أكثر أمنا وازدهاراً، وأرباحاً أكثر للقطاع الخاص. إن مشاركة رجال الأعمال في دعم التنمية بدولهم إنما هي في الحقيقة استثمار من نوع خاص، وهو ما يدركه القطاع الخاص المستنير في الدول المتقدمة، وهو أيضاً ما نتطلع إليه في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تخطو بثبات وقوة على طريق التنمية.

Share