مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي 2010: ماذا بعد؟

  • 6 يونيو 2010

بعد نحو شهر كامل من المفاوضات المعقدة بين الدول الأعضاء في المعاهدة، والتي شهدت كثيراً من الخلافات والتباينات في وجهات النظر، اختتم "مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي" أعماله في نيويورك يوم 28 مايو الماضي (2010) بإقرار وثيقة ختامية تضمنت كثيراً من النقاط المهمة التي نُظر إليها بوصفها تمثل نجاحاً للدبلوماسية العربية، ولاسيما فيما يتعلق بالاتفاق على آلية تقود إلى التطبيق الكامل لقرار عام 1995 حول إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

وكانت الدول الأعضاء في المعاهدة قد اتفقت في العام 1995 على تجديد المعاهدة بشكل لانهائي، على أن يتم عقد مؤتمرات دورية لمراجعتها كل 5 سنوات لتقييم حجم التقدم ومدى الالتزام الدولي ببنود المعاهدة. وقد جاء قرار التجديد اللانهائي في إطار صفقة، وافقت بموجبها المجموعة العربية ودول عدم الانحياز على التجديد، في مقابل تأييد الدول الأعضاء، وخاصة تلك الحائزة على السلاح النووي، عقد مؤتمر دولي لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من كافة أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية، غير أن الدول الكبرى لم تلتزم بتعهداتها، وهو ما كان سبباً مباشراً في فشل مؤتمر المراجعة الذي جرى خلال العام 2005؛ حيث لم يصدر بيان ختامي لهذا المؤتمر نتيجة إصرار المجموعة العربية على تفعيل قرار عام 1995 بشأن الشرق الأوسط، والإشارة إلى السلاح النووي الإسرائيلي صراحة في البيان الختامي.

ولمنع تكرار الإخفاق السابق وتلافي صدام المواقف خلال المؤتمر، بدأت أعمال التحضير لهذا المؤتمر مبكراً في عام 2009، كما شهدت الفترة السابقة على انعقاد المؤتمر مجموعة من الأحداث التي ساهمت في تهيئة المناخ الدولي لإنجاحه، ولاسيما عقب تولي إدارة الرئيس باراك أوباما السلطة في واشنطن؛ حيث أبدت هذه الإدارة اهتماماً ملحوظاً بالعمل الجماعي والمفاوضات متعددة الأطراف بشكل عام، وبقضية نزع السلاح النووي بشكل خاص، وانعكس هذا الاهتمام بقضية الانتشار النووي في أكثر من مؤشر، منها: (1) الإعلان عن استراتيجية دفاعية جديدة في أبريل 2010 تضع قيوداً على استخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي؛ حيث تمنع هذه الاستراتيجية استخدام الرد النووي إلا في الحالات القصوى التي يتعرض فيها الأمن القومي الأمريكي لخطر داهم، وتؤكد تخلي واشنطن عن تطوير أي أسلحة نووية جديدة، كما تحظر استخدام الأسلحة النووية ضد الدول غير النووية التي تلتزم بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. (2) توقيع معاهدة ستارت-2 بين الولايات المتحدة وروسيا في إبريل 2010، والتي نصت على خفض مخزون الأسلحة الاستراتيجية بما في ذلك الأسلحة النووية بنسبة 30% خلال سبع سنوات مقبلة. (3) انعقاد "قمة الأمن النووي العالمي"، في واشنطن في أبريل الماضي بحضور 47 دولة، والتي تعهد المشاركون فيها بتعزيز تدابير الأمن النووي وتقليص خطر الإرهاب النووي. (4) قيام الرئيس، باراك أوباما، شخصياً بافتتاح "مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي"، وهو أول رئيس أمريكي يفتتح أعمالاً مثل هذه الاجتماعات منذ بدئها، وذلك في إشارة إلى الأهمية الكبيرة التي تعطيها الإدارة الأمريكية لقضية الانتشار النووي وضرورة التصدي لها.

ولم يقتصر الأمر على الإجراءات التي اتخذتها واشنطن، فقد أعلنت روسيا وثيقة الأمن القومي الخاصة بها في مايو 2009، والتي أكدت فيها أن نزع السلاح والحد من انتشار الأسلحة النووية يأتي في مقدمة أولوياتها، وأن استخدامها للسلاح لن يكون إلا في حالة تعرضها لهجوم خطير. كما أصدرت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بياناً مشتركاً في بداية اجتماعات مؤتمر المراجعة الأخير أكدت فيه التزامها بالتطبيق الكامل لقرار عام 1995، الذي يدعو إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وتأييدها لكل الجهود الجارية لتحقيق هذا الهدف، وحث البيان الدول التي لم توقع على معاهدة حظر الانتشار النووي إلى الانضمام إليها لكن دون ذكر أسماء، فيما دعا المؤتمر الدولي لنزع الأسلحة النووية الذي عقد في طهران يومي 17 و18 أبريل الماضي إلى نزع أسلحة الدمار الشامل من خلال اتفاق شامل يمنع إنتاج وتخزين واستخدام هذه الأسلحة، ويتيح في الوقت نفسه الاستخدام السلمي للطاقة النووية النظيفة.

غير أن هذه الخطوات لم تمنع من دخول المشاركين في المؤتمر في سجالات وجدل واسع حول القضايا المطروحة للمناقشة، ولاسيما تلك المتعلقة بتجديد الدعوة إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل، من الأسلحة النووية؛ حيث انقسمت الآراء بهذا الشأن بشدة. فمن ناحية تمسكت الدول العربية والإسلامية بمطلبها الخاص بضرورة عقد مؤتمر دولي لبحث سبل تنفيذ ما نص عليه قرار عام 1995 الخاص بجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، فيما أصرت مصر وأعضاء المجموعة العربية على الإشارة إلى إسرائيل بالاسم ومطالبتها بالانضمام للمعاهدة. كما دعت الورقة العربية إلى عدم تعديل المادة العاشرة الخاصة بالانسحاب من المعاهدة، وعدم المساس بالمادة الرابعة الخاصة بتوفير تكنولوجيا الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.

في المقابل، حاولت الولايات المتحدة وبعض حلفائها في الغرب، والذين دأبوا على الدفاع عن إسرائيل وتوفير الحماية لبرنامجها النووي، تجنب الإشارة إلى إسرائيل وإبقاء موضوع سلاحها النووي خارج المناقشة، مع العمل في الوقت نفسه على فرض مزيد من القيود على البرنامج النووي الإيراني، كما عملت هذه الدول على توسيع سلطات واختصاصات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال الرقابة والتفتيش على البرامج النووية، ووضع قيود على حقوق الدول غير النووية في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، وخاصة فيما يتعلق بحق تخصيب اليورانيوم.

وبعد مخاض بالغ الصعوبة، أثمر المؤتمر بياناً ختامياً استعادت به المعاهدة بعض من حيويتها بعد تعثرها عشر سنوات، وأكد أن إصرار العرب على عدالة قضيتهم وتحليهم بالصمود قد يحقق مطالبهم ويساهم في كسر حاجز الازدواجية التي كانت ومازلت هي السمة السائدة في التعامل مع هذا الملف الأمني الحساس. فقد دعا البيان إلى عقد مؤتمر دولي عام 2012 تحضره جميع دول الشرق الأوسط، يفضي إلى قيام "منطقة خالية من السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل" تشمل كل من إسرائيل وإيران، كما دعا جميع دول الشرق الأوسط التي لم تنضم إلى معاهدة منع الانتشار النووي للقيام بذلك دون إبطاء بصفتها دولاً لا تملك السلاح النووي، وعلى الرغم من أن هذه الفقرة كانت تشير ضمنياً إلى إسرائيل، فإن البيان لم يترك مجالاً للتأويلات والتفسيرات؛ حيث دعا إسرائيل تحديداً وبالاسم إلى التوقيع على المعاهدة وإخضاع منشأتها لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الفقرة التي كانت الولايات المتحدة تريد حذفها لكنها تنازلت في النهاية من أجل إنقاذ المؤتمر من الفشل.

كما أسفر المؤتمر عن نتائج أخرى مهمة، منها مطالبة القوى النووية الخمس الموقعة على الاتفاقية ببذل جهود جديدة للحد من كل أنواع الأسلحة النووية وصولاً إلى إزالتها، ودعوة جميع الدول التي تملك السلاح النووي إلى المصادقة على "معاهدة الحظر التام للتجارب النووية"، علاوة على مطالبة "مؤتمر جنيف لنزع الأسلحة" ببحث "ترتيبات دولية فاعلة لطمأنة الدول غير النووية إلى عدم استخدام أو التهديد باستخدام أسلحة نووية ضدها". وغير ذلك من النتائج التي وصفت بأنها بناءة ومتوازنة.

ولا خلاف على أن النتيجة الأهم للمؤتمر هي تلك الخاصة بدعوته لعقد مؤتمر إقليمي برعاية دولية لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل. فهي المرة الأولى التي يتم فيها إقرار آليات محددة زمنية لتحقيق هذا الهدف الحيوي للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. غير أنه ليس بخاف على أحد أن عقد هذا المؤتمر لن يكون بالأمر اليسير، وسوف يواجه بالعديد من المماطلات الإسرائيلية المعهودة، ناهيك عن احتمال رفض تل أبيب الامتثال لقرار صادر عن مؤتمر هي ليست موقعة على معاهدته، وهو أمر يعززه موقف الحكومة الإسرائيلية التي سارعت إلى إعلان رفضها للبيان الختامي للمؤتمر، الذي وصفته بأنه "معيب وزائف"، وقالت في بيان أصدرته إن "إسرائيل بوصفها دولة غير موقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة فإنها غير ملزمة بقرارات المؤتمر الذي لا يملك سلطة عليها"، كما اعترضت بشدة على عدم الإشارة إلى الطموحات النووية الإيرانية في البيان الختامي للمؤتمر. ومن ثم، فإن هناك تخوفاً من أن يكون مصير نتائج المؤتمر هو مصير القرار الصادر عام 1995 نفسه، والذي لم يجد أي ترجمة عملية له حتى الآن، بل إن هناك من يشكك في إمكانية انعقاد هذا المؤتمر من أساسه أو انطلاقه بشروط إسرائيلية تضمن فشله قبل أن يبدأ. ويعزز من هذه المخاوف اقتناع أوساط عديدة في الغرب بوجهة النظر الإسرائيلية التي تنظر إلى السلاح النووي على أنه ضمانة لأمنها ووجودها، وإصرار إيران على المضي قدماً في برنامجها النووي الذي ترى فيه إسرائيل تهديداً وجودياً لها.

ومع ذلك فإن هناك عوامل إيجابية يتعين استثمارها في الوقت الراهن لتجنب هذا المصير، يأتي في مقدمتها تزايد الاهتمام الدولي بضرورة مواجهة خطر الانتشار النووي، وتنامي قناعة الولايات المتحدة بأن عدم انضمام إسرائيل لمعاهدة حظر الانتشار النووي يشجع الدول الأخرى في المنطقة، وعلى رأسها إيران، على المضي قدما في برامجها النووية، الأمر الذي يفرض ضرورة معالجة هذه المشكلة في نطاق إقليمي شامل، وربما يكون ذلك هو الذي دفع واشنطن والدول الغربية إلى السماح بتمرير البيان الختامي لمؤتمر معاهدة منع الانتشار النووي الأخير. ومن ثم فالمطلوب عربياً هو الاستمرار في الدفع باتجاه تطبيق القرار الصادر عن المؤتمر، وعدم إهدار هذه الفرصة.

Share