مؤامرة تفجير الطائرات: ما حدود الدور الإسرائيلي؟

عبدالوهاب بدرخان: مؤامرة تفجير الطائرات... ما حدود الدور الإسرائيلي؟

  • 30 أغسطس 2006

لم يعد يمر يوم من دون أن يتعرض شخص أو مجموعة أشخاص، أفراد عائلة في الغالب، للمنع من السفر. السبب معروف إلى حد أنه يثير الحنق والسخرية معاً. إنهم مشتبه بهم أو مرشحون لأن يشتبه بهم أو من الممكن أن يشتبه بهم. وبديهي أنهم من العرب أو الآسيويين، ولا بد أنهم من المسلمين. وبات الاشتباه ينزلق أكثر فأكثر إلى تمييز عنصري بحت على أساس لون السحنة أو اللحية أو اللباس أو حتى التصرف. لا يحق للمشتبه بهم أن يحتجوا على مشكلة في حجز المقاعد مثلاً، أو لخطأ ما في تذكرة السفر، أو لأي شأن آخر. وإذا غضب أحدهم وحاجج فأنه سيُطرد من الرحلة فوراً.

 منذ إعلان لندن عما سمي مؤامرة لتفجير طائرات متوجهة إلى الولايات المتحدة أصبح ذوو الملامح الشرق أوسطية والآسيوية مستهدفين ومطاردين وغير مرغوب فيهم، لا في المطارات ولا على متن الطائرات. يمكن إخراجهم من الطائرة لمجرد أنهم صاخبون (رحلة ملقة-مانشستر)، ويمكن إعادة الطائرة بعد الإقلاع (رحلة أمستردام-بومباي) لاستبعاد بعض الركاب، بل يمكن حرمانهم من الرحلة لأن ركاباً آخرين سمعوهم يتكلمون العربية ولم يطمئنوا إلى وجودهم برفقتهم. في مطار الدار البيضاء صادفت شاباً سعودياً غاضباً لا يدري ماذا يفعل. كان عليه أن يستقل طائرة الخطوط البريطانية إلى لندن حيث يلتقي بأفراد عائلته لكن الموظفين المغاربة في مكتب الخطوط البريطانية، أبلغوه أنه لا يستطيع السفر، ولم يطلعوه على أي سبب. كان يحمل كيساً شفافاً يحوي الأغراض البسيطة الضرورية، كما في التعليمات، ولم يكن مظهره مطابقاً للمحاذير الاعتيادية، فهو ليس ملتحياً ولا يلبس دشداشة أو ثياباً سميكة بل قميصاً أبيض فوق بنطلونه. كل ما في الأمر أن الزيادة في الحرص والمبالغة في الحذر أوحتا للموظفين بأن استبعاده مستحسن. وعلى رغم أن الإجراءات في مطارات لندن راحت تميل إلى المعقولية إلا أن المطارات الأخرى فضلت الاستنساب بالتشدد مع المسافرين إلى بريطانيا وذلك تجنباً لأي لوم أو انتقاد لاحقين.

 في مطار غاثويك اللندني سمعت رجلاً يزجر أولاده الصغار طالباً منهم بإلحاح ألا يتكلموا العربية طالما أنهم في المطار أو على متن الطائرة وألا ينسوا ما أوصاهم به قبل الانطلاق من البيت. حين استفسرته روى لي أنه يعرف أصدقاء تعرضوا لمضايقات وتشكيكات وتفتيش استثنائي أمام الآخرين خلال زيارات لمرافق سياحية، حتى إنهم مُـنعوا من الدخول بعدما سمعهم سياح آخرون يتحادثون بالعربية. وفي أي حال لم تتردد صحيفة "التايمز" الرصينة في عنونة صفحتها الأولى بأن المسلمين سيتعرضون لتفتيش خاص ومسبق في المطارات. ومع أن أصواتاً في الحكومة حاولت نفي هذا الخبر إلا أن أحداً من المسؤولين لم يستطع أو لم يشأ تقديم نفي قاطع، واضطر ممثلو الهيئات المسلمة في بريطانيا إلى قبول ما قيل لهم من غير أن يقتنعوا. والواقع أن أحداً لا يكترث لهؤلاء أو لغيرهم عندما يتعلق الأمر بمسألة أمنية، خصوصاً إذا أعطيت هذا الزخم الإعلامي الدراماتيكي.

 لكن الأهمية الإعلامية، وحتى الحكومية، أو الدولية، لا تعني أن السلطات تملك الأدلة الكافية التي تثبت القصة التي روتها للناس، وتصرفت كما لو أنها أعلنت حال الطوارئ لمواجهة هجوم معادٍ وشيك. كل ما هنالك مجرد معلومات متقاطعة تستحق طبعاً أن تؤخذ بجدية وحيطة. وبديهي أن هذه المعلومات مستمدة من المراقبة والتنصت فضلاً عن المخبرين، إذاً فقد كان من الطبيعي أن يترافق الإعلان عن المؤامرة بحملة اعتقالات مركزة. وبعد مرور نحو أسبوعين كان على السلطات أن تطلق أكثر من نصف المحتجزين، في حين لم توجه اتهامات محددة إلا إلى 11 شخصاً منهم. وخلافاً للعادة، تبرعت السلطات بأسماء المعتقلين وبأسماء عدد آخر ممن لم يعتقلوا أو يلاحقوا، ما تسبب لهؤلاء بأضرار معنوية فظيعة. وكما في الاعتقالات السابقة على خلفية الخوف من عمليات إرهابية، كانت هناك اتهامات لكنها ستحتاج إلى الكثير من العمل الاستقصائي لمواجهة أي قاضٍ في أي محاكمة. ومعلوم أن هناك نحو ستمائة معتقل منذ سنوات ولم يحاكم إلا عدد ضئيل منهم.

 إذا كانت هذه الحملة أجهضت فعلاً عملية إرهابية فإنها، على رغم كل شيء، تستحق هذا العناء بما في ذلك ما رافقها من مضايقات للمسلمين والعرب. إلا أن أحداً لن يعرف الحقيقة، لأن السلطات غير مضطرة للكشف عما عندها لئلا يستفيد الإرهابيون من المعلومات التي حصلت. وما سيبقى من هذه الحملة هو التغيير الذي طرأ على التعامل مع العرب والمسلمين، متجاوزاً القوانين وروحها. فللمرة الأولى يشعر هؤلاء بأنهم تحت رحمة الاستنساب السطحي والعشوائي، ليس فقط في المطارات وإنما في كل الأماكن العامة. حتى بعد تفجيرات السابع من تموز (يوليو) 2005، وعلى رغم الخسائر البشرية التي بلغت 54 قتيلاً ومئات الجرحى، لم يستشعر ذلك التغيير كما استشعر هذه المرة. في تلك التفجيرات قضى العديد من المسلمين الأبرياء أسوة بالآخرين المتوجهين إلى أعمالهم. لحسن الحظ هذه المرة لم يسقط ضحايا ولم تحصل تفجيرات، لكن كان هناك متضررون كثر. ولا أحد يستطيع توقع ما قد يحصل في أي "مؤامرة"، تكتشف مستقبلاً، خصوصاً مع تصاعد الجدل السياسي والإعلامي حول قضايا الهجرة والمهاجرين، وكذلك ازدياد القلق ممن يسمى "العدو الداخلي" المتمثل بالشبان المولودين في بريطانيا والذين يعطون أذناً صاغية للخطاب المتطرف، الديني وغير الديني.

 حاول ممثلو الهيئات المسلمة في بريطانيا لفت أنظار الحكومة إلى أن هناك مشكلة تكمن في السياسة الخارجية التي شجعت على التطرف ولم تسع أبداً إلى إقامة أي توازن. بل إن هذه السياسة تماهت كلياً، ومن دون أي خصوصية أو عقلانية، مع السياسة الأمريكية المتطرفة بدورها بل المتهورة أيضاً. لا شك أن ممثلي الهيئات أخذوا في الاعتبار الضرورات الأمنية، ثم إنهم لم يقترحوا تغييرات محددة في السياسة وإنما اكتفوا بالتنبيه، وهو ما يشاركهم فيه بريطانيون كثر غير مسلمين. ويشير أحد هؤلاء الممثلين في أحاديث غير رسمية إلى أن بريطانيا لا تنفرد أوروبياً باستقبالها جاليات مهاجرة مسلمة، كما أن الخطر الإرهابي لا يستهدفها وحدها، لكنها تنفرد باستثارة المتطرفين من خلال السياسات التي اتبعتها في السنوات الأخيرة سواء في أفغانستان أو في العراق وفلسطين وأخيراً بالنسبة إلى لبنان. فلا أحد يتوقع منها أن تخاصم الولايات المتحدة أو تتحداها، لكن الجميع كان ولا يزال يتوقع أن تكون لها سياستها الخاصة، العقلانية والمتوازنة، وكذلك المبادرة إلى طرح حلول سلمية. غير أن مثل هذا الطموح لم يعد وارداً ولا ممكناً طالما أن توني بلير في منصبه. تماماً كما أصبح ميؤوساً من أي اعتدال لدى الإدارة الأمريكية الحالية.

 كان لافتاً في ما سمي "مؤامرة تفجير الطائرات" أنها كـُشفت في لحظة دقيقة بالتزامن مع تطورات حرب إسرائيل على لبنان. هل من رابط بين الحدثين؟ الوقائع لا تؤكد ذلك، إلا إذا قصد منها حرف الأضواء والأنظار عن لبنان خصوصاً بعد مجزرة قانا الثانية، ومع تكرار المجازر على نحو يومي. لكن مسؤولين استخباريين عرباً أشاروا إلى أن لندن كانت تنسق منذ شهور مع عدد العواصم الأوروبية، وأن عواصم عربية كانت على علم بالمعلومات المتداولة. وأفاد هؤلاء المسؤولون بلا تردد بأن "الموساد" الإسرائيلية ساهمت في إطلاق إشارة الإنذار، أو عجلت بإطلاقها، وما كان من لندن إلا أن استجابت بحكم أنها كانت قلقة ومتأهبة. وقد تابع الاستخباريون باهتمام ما اعتبروه تدخلاً إسرائيلياً مبالغاً فيه لتقديم معلومات وأسماء إلى السلطات البريطانية التي أبدت بعض الانزعاج من ذلك التدخل، خصوصاً أنه ترافق أيضاً بتدخل مماثل من الـ "إف بي آي" الذي تحدث عن خمسين مشتبهاً، في حين أن البريطانيين لم يعتقلوا سوى 23 شخصاً.

 ولعل ما أثار استغراب مسلمي بريطانيا أيضاً أن السلطات استعانت في هذه الأزمة بـ "خبرات" الإسرائيليين في كشف المشتبهين في المطارات. وقد نـُشرت أخبار هذا التعاون ولم يتم نفيها. وعلى افتراض أن البريطانيين تعوزهم مثل هذه "الخبرة" المخزية، فإنهم برهنوا مجدداً أنهم لم يتعلموا من تجارب العراق حيث قدم الإسرائيليون أيضاً خبراتهم إلى الأمريكيين. ففي العادة تلجأ الدول المحترمة إلى دول محترمة أخرى طلباً للمساعدة، أما الاستعانة بدولة كإسرائيل فلا تعني سوى مباركة وتأييد لمجمل ممارساتها المخالفة للقوانين الدولية. وفي مثل هذه الأحوال هل يمكن افتراض أن تستعين بريطانيا بخبرات موغابي، وهل تطلب الولايات المتحدة مساعدة من كاسترو؟ إن اعتبار إسرائيل حليفاً ضد الإرهاب لا يعني فقط ازدراءً للحلفاء العرب بل يعني خصوصاً أن دول الغرب لم تقتنع ولعلها لن تقتنع يوماً بأن إسرائيل مصدر هذا الإرهاب.

Share