مأساة جديدة في‮ "تمبكتو‮"‬

  • 3 يوليو 2012

بعد أكثر من عشر سنوات من تدمير حركة “طالبان” الأفغانية في مارس عام 2001 تماثيل “بوذا” الأثرية التاريخية في مدينة باميان، استيقظ العالم، مؤخراً، على وقع أخبار مستفزة تشير إلى قيام عناصر متشددة تنتمي إلى حركة تطلق على نفسها “جماعة أنصار الدين” (إحدى المجموعات المسلحة التي تسيطر على شمال مالي) بتدمير أضرحة في مدينة “تمبكتو”، المدرجة على لائحة التراث العالمي المهدّد بالخطر والاندثار!

هذه الجريمة بحق الإنسانية قوبلت بانتقادات عنيفة وتنديد دولي واسع النطاق، حيث توعدت “المحكمة الجنائية الدولية” بملاحقة مرتكبي هذه الأعمال التي وصفتها بأنها “جريمة حرب”، فيما أعربت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو” عن أسفها لهذه “المأساة الجديدة” التي دانتها العديد من دول العالم.

مثل هذه الجرائم التي ترتكب بحق الدين الإسلامي والحضارة والتراث الإنساني، تكررت في السنوات الأخيرة في مناطق مختلفة من العالم، وتقدم للعالم صورة مشوّهة عن الإسلام والمسلمين، بل إنها تمثل تحدّياً للضمير الإنساني وتعكس تغييباً للعقل والإدراك القويم لدى جماعات تسيء إلى الدين الإسلامي الحنيف إساءة بالغة قد تتطلب سنوات، وربما عقوداً، من العمل والجهد من أجل معالجة الندوب والتشوهات التي تخلفها هذه السلوكيات المرفوضة على وجه الحضارة الإسلامية، التي تمثل بدورها مكوناً رئيساً من مكوّنات الحضارة الإنسانية.

يبدو أن قدر الأمة الإسلامية أن تبتلى بين الفينة والأخرى بمثل هذه الجماعات غريبة الأطوار، التي باتت تمثل ظاهرة جديرة بالانتباه، بنهج التفكير الظلامي الذي تتبنّاه، وآرائها التي لا تـمـت إلى جوهر الدين الإسلامي بأي صلة، وتتصدى لأمور تتطلب من العلم والمعرفة بأمور الدِّين ما يفوق بمراحل مَنْ يزعمون الدراية، ويتصدرون أمور الفتوى في هذه الجماعات والتنظيمات دون دراسة أو علم يؤهلهم لذلك!

التاريخ والحضارات ملك للشعوب، والآثار والمعالم التراثية تعبير عن حضارات الأمم بمراحل تاريخها المختلفة، والشعوب التي تبتلى بمثل هذه الجماعات لديها من مظاهر المعاناة والأزمات ما يستحق أن يكون أولوية لمن يزعم الاهتمام بأمور الناس، لا أن يلقي في ساحتهم ما يشغلهم ويحدث بلبلة دون فائدة تذكر سوى تشويه هذا الدين الحنيف والإساءة إلى جموع المسلمين وحضارتهم.

لا يخفى على أحد كَمّ التناحر والصراع المحتدم الذي يشعله بعضهم داخل الأمة الإسلامية بين الطوائف والمذاهب، ولم يكن الأمر بحاجة إلى أن تأتي هذه الجماعات والتنظيمات لتزيد الطين بِلة وتجر الأمة جراً إلى هوة ارتباك سحيقة عنوانها “التحجر والظلامية”؛ حيث تكرس هذه الجماعات المحسوبة على الإسلام أفكاراً مغلوطة عن ديننا الحنيف في وقت تبدو فيه الحاجة ملحة إلى مَنْ يقدم رؤى مستنيرة وفقهاً موسوعياً يتناسب مع مقتضيات العصر وينتشل الكثير من العقول من غفوتها ويصحح مسارات الكثيرين مـمَّـنْ تقطعت بهم السبل ومضوا في غيهم وضلالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

كم من الجرائم باتت ترتكب باسم الإسلام والدفاع عنه! ويكفي أن التنظيمات التي تمارس الإرهاب تزعم التقرب إلى الله والسعي إلى الجنة برغم أنها تخرب الأوطان وتفسد في الأرض ويروح ضحية جرائمها العشرات من المسلمين فضلاً عن الضحايا الأبرياء من أتباع الديانات الأخرى! الإسلام في كل ذلك يدفع ضريبة غالية للاعتقادات الخطأ والمفاهيم المغلوطة والجهل الذي ينتشر بسبب دعاوى التحريض والفتاوى الموجهة.

إن تدمير الأضرحة في “مدينة الـ (33) ولياً” في مالي مأساة جديدة تضاف إلى سجل التطرف وتستحق من الهيئات والمؤسسات الإسلامية المتخصصة وعلماء الدين الإسلامي وقفة جادة وحقيقية حتى تكف هذه الجماعات والتنظيمات عن حماقاتها ويتبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

Share