مأزق شارون أم مأزق عرفات؟

  • 15 سبتمبر 2003

لاشك في أن قرار المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر بالموافقة المبدئية على طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، هو أكثر قرارات حكومة شارون بعداً عن العقلانية، لأن القرار وضع إسرائيل في موقف صعب داخليا وخارجيا في ظل الانتقادات الدولية الواسعة لهذا القرار على كل المستويات، وبشكل ربما غير مسبوق، بحيث أصبحت إسرائيل في ظلها في عزلة دبلوماسية دولية دفعتها إلى الاصطدام مع العالم واتهامه بـ"النفاق" بسبب هذا الموقف. ولعل من أكثر المواقف إيلاما بالنسبة إلى شارون في هذا الصدد هو الموقف الأمريكي المعارض لطرد عرفات، على الرغم من رفض واشنطن التعامل معه واعتباره جزءا من المشكلة في الأراضي الفلسطينية، ولهذا يمكن القول، إن شارون قد وضع الولايات المتحدة أيضا في مأزق سياسي صعب بين رفضها التعامل مع عرفات، وفي الوقت نفسه عدم مقدرتها على الموافقة على طرده لإدراكها عواقب مثل هذا القرار السياسية والأمنية في المنطقة. إضافة إلى ذلك فقد وضع شارون نفسه وجها لوجه مع واشنطن، التي تدرك أن طرد عرفات ربما يعني انتهاء مشروع السلام.
 
والمأزق الذي يواجهه شارون في هذا الصدد ليس خارجيا فحسب، وإنما داخلي أيضا، ففي الوقت الذي دغدغ فيه، بقرار طرد عرفات، مشاعر المتطرفين والمتشددين في حكومته وفي الشارع الإسرائيلي، فإنه يواجه المعارضة من قبل العديد من الشخصيات الأمنية والسياسية على الساحة الإسرائيلية.
 
لقد سعى شارون إلى القضاء على دور عرفات على الساحة الفلسطينية وإقناع العالم أنه هو العقبة الأساسية في طريق السلام، ولكنه أسهم في تقوية موقعه دوليا وداخليا، بالنظر إلى حجم الاهتمام الدولي الكبير به خلال الفترة الأخيرة، والذي كان بمنزلة اعتراف مباشر أوغير مباشر بأهميته وتأثيره حتى من قبل الولايات المتحدة، والتفاف الفلسطينيين حوله بكل فصائلهم، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعمل على دفعهم إلى الاصطدام والاقتتال الداخلي. ولهذا يمكن القول، إن شارون قد وضع نفسه في مأزق سياسي كبير بسبب سياسته القائمة على القوة المسلحة باعتبارها الخيار الأساسي في التعامل مع الفلسطينيين، والغريب في الأمر أنه بدلا من الاستماع إلى صوت العالم وصوت واشنطن في هذا الشأن، تعمل إسرائيل على التصعيد من خلال إعلانها على لسان نائب رئيس الوزراء أن قتل عرفات هو أحد الخيارات المتاحة والمطروحة. وهذا، فوق أنه يشير إلى التخبط والإفلاس اللذين تعيشانهما السياسة الإسرائيلية، فإنه يعكس إحدى السمات الأساسية لهذه السياسة، وهي الاستخفاف بالعالم وعدم الاستماع إليه واتهامه بكل التهم الممكنة إذا ما تعامل معها بشكل موضوعي ووجّه انتقاداته إلى تصرفاتها بشكل صريح، حيث نظرت إلى نفسها دائما على أنها فوق النقد وفوق القانون الدولي. إن الدرس المهم الذي يطرحه القرار الإسرائيلي المبدئي بطرد عرفات، هو أن الحكومة الإسرائلية تلجأ دائما إلى تحويل الأنظار عن جوهر المشكلة مع الفلسطينيين من خلال رمي الكرة في ملعب الطرف الآخر، إلا أن هذه الكرة ارتدت إليها هذه المرة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات