مأزق الحسم الشيعي في بيروت

د. بشارة نصار شربل: مأزق الحسم الشيعي في بيروت

  • 13 مايو 2008

مهما حاول السيد حسن نصرالله إضفاء طابع سياسي على الذي جرى في بيروت ابتداء من يوم السابع من مايو/آيار الحالي (2008)، فإن المحاولة تبدو يائسة؛ إذ إن ما تخوّف منه كثيرون بدءاً من الأمين العام للجامعة العربية وانتهاء بأصغر محلل سياسي من اندلاع نزاع سني-شيعي في العاصمة اللبنانية، هو الوصف الحقيقي لما جرى في أحيائها وشوارعها، ثم امتد إلى مناطق متفرقة.

هذا النزاع اندلع إثر قرارين، اتخذتهما حكومة الرئيس فؤاد السنيورة يطلبان وقف شبكة اتصال أقامها "حزب الله"، وإزاحة رئيس جهاز أمن مطار بيروت الموالي للحزب. ولئن حاولت الحكومة عبر القرارين تأكيد رغبتها في تثبيت سلطة الدولة، ومنع امتداد "الدويلة" التي يقيمها "حزب الله" في لبنان، فإنها وقعت في خطأ الحسابات، ذلك أنه في مواجهة القرارين الحكوميين، اتخذ "حزب الله" قراراً موازياً بإعلان الحرب حتى إسقاطهما أو إسقاط الحكومة، وفشل تيار "المستقبل" في الصمود الميداني نظراً إلى غياب الدربة لديه على العمل العسكري، بينما وقف الجيش محايداً ينتظر التطورات خوفاً على وحدته، أو تواطؤاً "لأسباب متعددة".

وبغض النظر عما أسفرت عنه تلك المغامرة العسكرية ضد شركاء في الوطن وفي حمأة العصبيات المستثارة، فإن من المفيد العودة إلى الوراء لتبيان الأسباب التي أدت إلى أن يأخذ نزاعٌ سياسيٌ عاديٌ شكلاً مذهبياً بامتياز.

في تاريخ الحرب الأهلية الممتدة في لبنان، على تقطُّع منذ عام 1975، سيطرت الأطراف الشيعية فترات على العاصمة التي يعتبرها السنة البيروتيون معقلهم ومدينتهم قبل أن تكون مدينة الآخرين الذين يشكلون أقليات فيها، تكاثرت بفعل النزوح من الريف، وتشكيل تجمعات سكانية تحولت فيما بعد إلى معاقل للأحزاب والقوى السياسية.

وكان السنة المتحالفون طوراً مع المقاومة الفلسطينية قبل خروجها من لبنان إثر الغزو الإسرائيلي في عام 1982 يشعرون بالسيادة على مدينتهم، وهو واقع انقلب في المرة الأولى فيما سميّ "انتفاضة 6 فبراير" التي حدثت في عام 1984، وقادها رئيس ميليشيا حركة أمل الشيعية في ذلك الحين وحالياً نبيه بري، فأسقط سلطة الدولة في الأحياء الإسلامية من العاصمة.

ثم سقطت مرة أخرى في عام 1985 حين سيطرت ميليشيا أمل وحلفاؤها المتعاونون مع دمشق على الميليشيات السنية، فاحتلت مكاتبها وهجّرت قياداتها، و"تسيّدت" على بيروت. ولم تلبث تطوّرات النزاعات الأهلية المتجددة أن أخمدت هذا النوع من الصراعات حين عادت القوات السورية في عام 1987 إلى العاصمة اللبنانية لتمارس فيها سياسة "الأمن الممسوك" حتى خروجها في عام 2005 نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانتفاضة الاستقلال.

كشف اغتيال الرئيس الحريري من جديد الساحة الإسلامية؛ إذ بقي الحزبان الشيعيان الرئيسيان "حزب الله" وحركة "أمل" خارج الانتفاضة التي أخرجت القوات السورية، واتهمت نظام دمشق بالاغتيال، بل إنهما وقفا على الضفة المقابلة التي قالت: "شكراً لسورية"، وأهدت رئيس جهاز الاستخبارات السورية في لبنان رستم غزالي "بندقية المقاومة"، من يد الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله.

منذ ذلك التاريخ تأسس شرخ في العلاقات السنية-الشيعية، أخذ يتسع ويتّسع مع تطور تداعيات مقتل الحريري والقرارات الدولية التي لحقته. فاعترضت الشيعية السياسية على كل المنحى السياسي الرسمي الذي ساد… رفضت المحكمة الدولية وسحبت وزراءها من الحكومة، وبدأت "انتفاضة مضادة"، شعارها رفض الاعتراف بشرعية قوى "14 آذار"، التي يشكل تيار المستقبل أحد أركانها الأساسيين، وتشكل الطائفة السنية عصبها الذي استفاق على شعار "لبنان أولاً" بعد زلزال اغتيال رفيق الحريري.

الانقلاب الكبير هو ذلك الذي حصل عقب صدمة الاغتيال الكبير في 2005؛ إذ عادت الطائفة السنية فجأة من كونها "طائفة إقليمية" تطلعت دائماً الى الامتداد العربي على مدى ستة عقود أي منذ استقلال لبنان في 1943؛ لتصير "طائفة كيانية" تلتقي مع سائر المكونات الطائفية الكيانية في لبنان، وهي عودة جعلت الطائفة السنية تنظر الى المرحلة السابقة بعين اليأس والخيبة؛ إذ إن هذه الطائفة هي التي كانت تفضل الوحدة مع سورية في فترة الانتداب الفرنسي، وهي الطائفة التي قبلت بالتسوية الكيانية الاستقلالية في عام 1943 شرط أن يبقى وجه لبنان العربي، وهي التي كانت تتظاهر ويموج شارعها بالهتاف حين أغوى الخطاب الناصري العرب من المحيط إلى الخليج، وهي التي احتضنت المقاومة الفلسطينية، ثم دفعت معها ودفع لبنان كذلك ثمن إقامة "دولة ضمن الدولة" متمثلاً بالاجتياح الاسرائيلي، وهي الطائفة التي اتكأت على دمشق لإنهاء النزاع في لبنان، وتحالفت معها لتكون نصيراً للوطن الصغير رابطة مسار التسوية ومصير البلاد بالمسار والمصير السوري.

هذه الطائفة هزها الاغتيال الكبير، فعادت إلى حضن الكيان تنشد فيه اللبنانية الصافية والعروبة الديمقراطية والانفتاح على العالم، فيما خرجت الطائفة الشيعية التي كانت على مدى تاريخ لبنان الحديث "كيانية" بامتياز إلى لعب دور "الطائفة الإقليمية"، فصارت مع ازدهار حركة "أمل" ذراع نظام دمشق في لبنان، ومع "حزب الله" جزءاً من ولاية الفقيه ومن المحور السوري-الإيراني.

هذا التبدل الاستراتيجي لدى الطائفتين الكبيرتين في لبنان هو في أساس النزاع الحالي، لكنه ليس السبب الوحيد؛ فتعقيدات الوضع الناجم عن احتلال العراق الذي سبب شرخاً في النظام العربي، وجعل دمشق في مواجهة الرياض، معطوفاً على ارتماء دمشق في أحضان طهران المتطلعة إلى دور يتجاوز حدودها ويتجاوز قدرة الدول المحيطة بها على احتماله، هي أسباب أساسية أيضاً في جعل التوتر الشيعي-السنّي في لبنان يتصاعد نحو نزاع متدرج ومتدحرج يخشى أن يتحول إلى فتنة توقظها الرغبة الإيرانية في امتلاك ورقة لبنان للوجود على حدود الصراع العربي-الاسرائيلي من جهة، وللتفاوض مع الأمريكيين بشأن الملف النووي من جهة أخرى.

لم يصل النزاع السني-الشيعي في لبنان بعدُ إلى مرتبة الفتنة التي لا تبقي ولا تذر. لكنه ينذر بالأسوأ؛ ذلك أن تراكم الحوادث الأمنية في بؤرة خصبة يفقد مدعي القدرة على ضبط إيقاع الأحداث أوهامهم، ويجعل الصراع ذا آلية داخلية تتوالد من نفسها.

سيطر المسلحون الشيعة على بيروت في السابع من مايو.. قالوا إنهم "معارضة" وإنهم طرف سياسي؛ لكن الشارع السني فهِم عملهم العسكري احتلالاً لبيروت السنية، وإذلالاً للقوى السياسية التي تعبر عنها. وهو شعور يغذي مشاعر دفينة ويعيد إيقاظ التاريخ. أخطأ "حزب الله" في سحق "المستقبل" وتياره؛ ذلك أن هذا الخصم الذي لم يكن لديه ما يدافع به عن نفسه سوى بعض السلاح الفردي وشبكة إعلام، ومكاتب مساعدات، هو من أرقى النماذج السنية في العالم العربي؛ لأنه الأقرب إلى روح الدولة المدنية. وهو الذي يستطيع أن يشكل مساحة مشتركة بينه وبين كل طوائف لبنان تنتج تسوية تعيد العيش المشترك إلى قطاره الصحيح. ما البديل عن هذا التيار؟ ليست الخيارات كثيرة؛ فحين ينكسر المعتدلون يزدهر المتطرفون، والظواهري دخل على خط لبنان قبل فترة، معتبراً أنه مكان مثالي لمنازلة الأعداء. لذلك فإن الحسم العسكري الذي حققه "حزب الله" في بيروت لن يشكل حلاً، لا للحزب وسلاحه، ولا للمعارضة التي يتستر بها، إنه حسم يفتح الباب على حسومات في مصداقية الحزب، وفي التعايش بين الطوائف، وفي قدرة الدولة اللبنانية على استعادة أنفاسها، وعلى إمكان درء فتنة سنية-شيعية، إنه مزاد يفتح الباب أمام المزايدين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات