مأزق الجامعة العربية في سورية

  • 31 يناير 2012

بدعوة مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري الأمين العام في قراره بتاريخ 22 يناير 2012 إلى الطلب من مجلس الأمن دعم الخطة العربية لحل الأزمة السورية، وقرار الأمين العام في الثامن والعشرين من الشهر نفسه وقف أعمال بعثة المراقبة التابعة للجامعة فوراً، تكون جهود الجامعة في حل تلك الأزمة قد وصلت إلى طريق مسدود. لا يمكن لوم الجامعة على هذا الإخفاق لأسباب عدة، أهمها أن ميثاقها لا يسمح لها بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، ومن ثم لا يوفر لها آليات محددة لمواجهة أزمات كالأزمة السورية الراهنة. وقد وجدت الجامعة نفسها مضطرة لهذا التدخل؛ لأن السكوت على قتل آلاف السوريين كان مستحيلاً، ومن هنا حاولت الجامعة أن توجد من الآليات ما يساعدها في هذه المهمة واضعة في اعتبارها خبرتها مع الحالة الليبية.

بدأ مأزق الجامعة في هذا الصدد بالثورة الليبية، حيث كان الشعبان التونسي والمصري قد نجحا في إجبار رئيسيهما على ترك الحكم في أيام معدودات، كما أن درجة العنف التي وظفها النظامان السابقان في تونس ومصر لا يمكن مقارنتها بالحالة الليبية، فقد طال أمد الثورة في ليبيا، ووظف النظام إمكاناته العسكرية ضد الشعب دون تحفظ، فسقط آلاف الشهداء، وبدأت مطالبة الثوار بالحماية الخارجية، ولم يكن أمام الجامعة من بديل سوى التدخل، فبدأت بخطوة رمزية مهمة بحرمان النظام الليبي من حضور كافة اجتماعات الجامعة العربية ومنظماتها، لكن إراقة الدماء استمرت، فرفع مجلس الجامعة الموضوع إلى مجلس الأمن، فكان ما كان من تدخل عسكري خارجي قاده حلف الناتو. واختلفت تقييمات هذا القرار بين من رآه ضرورياً ومن اعتبره إخفاقاً ذريعاً للنظام العربي سمح بتدخل خارجي كان له أهدافه الخاصة.

ثم جاء تحدي الثورة السورية، وشغلت الجامعة نفسها به أيما انشغال، مع أنها لم تُبد اهتماماً يذكر بأحداث أخرى مثل تلك التي وقعت في اليمن، وقيل في تفسير هذا التناقض في سلوك الجامعة إنها اكتفت في الحالة اليمنية بالمبادرة الخليجية التي جمعت بين الحرص على تحقيق مطالب الانتفاضة اليمنية والرغبة في عدم التسبب في زيادةٍ حالة عدم الاستقرار باليمن، بشكل يمكن أن يكون له مردوه السلبي على منطقة الخليج. لكن سورية مثلت تحدياً أكبر من الحالتين الليبية واليمنية، فتوظيف العنف المفرط في مواجهة المحتجين واحد في الحالات الثلاث. لكن الثورة السورية تميزت بسلميتها وعدم اللجوء للسلاح كما حدث في الحالة الليبية وبدرجة أقل اليمنية، كما أن النظام الحاكم بدا أكثر تماسكاً من أي نظام آخر تعرض لثورة شعبية في إطار ما يعرف باسم "الربيع العربي"، واستمر هذا التماسك حتى بعد أن حُسِمَ أمر الثورة الليبية بالنصر للثوار، وأُزيح رئيس الجمهورية في الحالة اليمنية وفقاً لبنود المبادرة الخليجية. وربما يعود هذا التماسك لأسباب سياسية (دور حزب البعث) أو طائفية (معظم نخبة النظام من الأقلية العلوية) مع احتفاظ سورية ببعض التأييد الرسمي العربي كما في الموقف اللبناني، وكذلك من قبل عدد من النظم الحاكمة التي نظرت إلى النظام السوري باعتباره جزءاً من المواجهة العربية-الإسرائيلية، ومن ثم لا يجوز المضي قدماً في إسقاطه وفقاً لتلك النظم، وإلا جاء هذا على حساب ميزان القوى العربي-الإسرائيلي، هذا فضلاً عن تأييد روسيا والصين الواضح لأسباب مصلحية بحتة.

إزاء هذا الوضع، طلب مجلس الجامعة من أمينها العام في 27 أغسطس 2011 القيام بمهمة عاجلة في دمشق لنقل المبادرة العربية لحل الأزمة إلى القيادة السورية، وبعد إتمام هذه المهمة طالب المجلس القيادة السورية في 13 سبتمبر 2011 باتخاذ الإجراءات العاجلة لتنفيذ ما وافقت عليه من نقاط خلال زيارة الأمين العام، وخاصة فيما يتعلق بوقف العنف وتنفيذ الإصلاحات، مع المطالبة بحوار وطني شامل من أجل إنجاز عملية التغيير والإصلاح السياسي. وفي 16 أكتوبر 2011 جدد المجلس مطالبته بوقف العنف وإجراء حوار بين الحكومة والمعارضة، وشكَّل لجنة من خمس دول بالإضافة إلى الأمين العام للاتصال بالقيادة السورية من أجل تنفيذ هذه المطالب. وكان الأمين العام قد استهل اجتماعات المجلس بكلمة أشار فيها إلى عدم تحقق شيء على أرض الواقع مما طالبت به الجامعة، وشدّد مجدداً على مسؤوليتها في هذا الصدد، وأثار للمرة الأولى فكرة تبني آلية مناسبة توفر الحماية للمدنيين. 

وفي 12 نوفمبر 2011 صعَّد مجلس الجامعة من قراراته ضد النظام السوري، فعلَّقَ مشاركة وفوده في اجتماعات الجامعة العربية وكافة المنظمات والأجهزة التابعة لها اعتباراً من 16 نوفمبر 2011 إلى حين التزام الحكومة السورية بتعهداتها بموجب خطة العمل العربية، ووافق المجلس على فكرة توفير الحماية للمدنيين السوريين. وفي حال عدم توقف أعمال العنف والقتل يقوم الأمين العام بالاتصال بالمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والتشاور مع أطياف المعارضة السورية لوضع تصور بالإجراءات المناسبة في هذا الصدد، كما دعا المجلس الجيش السوري إلى عدم التورط في أعمال العنف والقتل، وكذلك إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على الحكومة السورية، وحث الدول على سحب سفرائها من دمشق، مع اعتبار ذلك قراراً سيادياً لكل دولة. ودعا المجلس جميع أطراف المعارضة السورية للحوار في مقر الجامعة للاتفاق على رؤية موحدة للمرحلة الانتقالية المقبلة في سورية، على أن يقرر المجلس لاحقاً ما يراه مناسباً بشأن الاعتراف بهذه المعارضة.

ثم مضت الجامعة بعد ذلك في طريق "مراقبة" ما يجري في سورية، فقرر المجلس في جلسته السابقة نفسها في (16/11/2011) إيفاد بعثة مراقبين إلى سورية. ونظراً للخلاف مع الحكومة السورية حول مهام هذه البعثة ومركزها القانوني دعا المجلس الحكومة السورية في 24 نوفمبر 2011 إلى التوقيع على البروتوكول الخاص بهذه البعثة تمهيداً لإرسالها، وفي حالة عدم توقيع الحكومة السورية على البروتوكول أو إخلالها به بعد توقيعه يجتمع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بعد يومين للنظر في فرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري (حددها القرار تفصيلاً) بما لا يؤثر على الشعب السوري، على أن تُعرَض نتائج هذا الاجتماع على مجلس الجامعة. وفي 27 نوفمبر2011 اجتمع المجلس وأقر هذه العقوبات بالفعل، وبعدها تم التوصل إلى توافق بين الجامعة والحكومة السورية على مهام بعثة المراقبين ومركزها القانوني، وفي هذا الإطار بدأت البعثة مهامها بالفعل في الأراضي السورية.

وفي 22 يناير 2012 تدارس مجلس الجامعة تنفيذ البعثة مهامها، وأكد في قراراته مطالبه السابقة بوقف العنف، والإفراج عن المعتقلين، وضمان حرية التظاهر السلمي. غير أنه زاد في قراراته تحديداً زمنياً بضرورة بدء الحوار في خلال أسبوعين، وبادر بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال شهرين تشارك فيها المعارضة، وتكون مهمتها الدعوة لانتخابات برلمانية ورئاسية تعددية حرة بإشراف عربي ودولي، وكذلك انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد يتم إقراره عبر استفتاء شعبي، وتفويض رئيس الجمهورية نائبه الأول بصلاحيات كاملة للتعاون مع حكومة الوحدة الوطنية، وأخيراً دعوة المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم لهذه الحكومة، والطلب من الأمين العام إبلاغ مجلس الأمن بالخطة لدعمها.

من الواضح من كل ما سبق، وعلى الرغم من طلب إبلاغ مجلس الأمن لدعم الخطة العربية، أن الجامعة كانت حريصة على عدم تكرار طلب التدخل العسكري الدولي في ليبيا. غير أن النظام السوري واصل التمسك بنهجه دون أدنى تغيير، ومن هنا قرر الأمين العام في 28 يناير 2012 بعد التشاور مع عدد من وزراء الخارجية العرب وقف أعمال بعثة الجامعة في سورية، وبالتالي تكون الجامعة قد عجزت عن تحقيق أي تقدم في حل الأزمة السورية، غير أنها لا تُلام في هذا بسبب تصلب النظام السوري، والحرص على ألا تكون قراراتها ذريعة لتدخل عسكري دولي يزيد الأمور سوءاً، ولاسيما أن الأطراف العربية لم تكن مستعدة لأن تقوم بهذا التدخل بنفسها، ولم تكن الجامعة وحدها هي التي أخفقت في هذا الصدد، وإنما انضم إليها مجلس الأمن الذي يقف فيه كل من الفيتو الروسي والصيني بالمرصاد لأي قرار جاد ضد الحكومة السورية. وهكذا تعود الأمور سيرتها الأولى والصحيحة، وهي أن مهمة التغيير بيد الشعب السوري وحده، على أن توفر الجامعة العربية له أقصى صور المساندة الدبلوماسية والمادية اللازمة.

Share