مأرب الأمل الأخير لاستعادة الدولة في اليمن

  • 17 مايو 2020

كتبت ياسمين القاضي، رئيسة مؤسسة فتيات مأرب، الحاصلة على جائزة المرأة للشجاعة الدولية، وزمالة مبادرة مسار السلام للقيادة النسوية، مقال رأي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تحدثت فيه عن الصراع المسلح بين قوات الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين الذي بدأ ويستمر حتى الآن، منذ مطلع العام الجاري في محافظة مأرب.

المعارك التي حدثت الجمعة الماضية في مديرية صرواح كانت من أسوأ المحطات في هذا النزاع حيث حصدت العشرات من المقاتلين من الطرفين. وفي حين يزعم كلا الطرفين أنه هو المنتصر، إلا أن الشعب في محافظة مأرب هو المتضرر في نهاية المطاف. وتستمر الحرب في اليمن بالرغم من الضحايا بسبب العنف، وبالرغم من موت العشرات بسبب فيروس كورونا وتعرض الآلاف له.

قبل أسابيع، حث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اليمنيين والشركاء الدوليين على وقف أي أعمال عدائية، وتكثيف الجهود لمواجهة تفشٍ محتمل للوباء. وقد لاقت التصريحات الأخيرة ترحيباً. ولكن في الوقت الذي أعلن فيه التحالف العربي بقيادة السعودية وقف إطلاق نار فوري من جانب واحد لمدة أسبوعين، لم تتوقف المعارك بين اليمنيين، خاصة في محافظة مأرب.

وتصاعدت الهجمات المسلحة لجماعة الحوثي مؤخراً باتجاه محافظة مأرب بقوة خلال الأشهر الأخيرة خصوصاً بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بغارة جوية في بغداد، وكان زعيم الجماعة الحوثية قد خرج في اليوم التالي لمقتل سليماني، يهدد بأن جماعته ستنتقم بقوة للجنرال الإيراني الذي كان يدعمها ويرعاها كحال الفصائل المسلحة التابعة لإيران في العراق وسوريا ولبنان.

وقد قام مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، بزيارة في مارس الماضي إلى مأرب في محاولة لوقف التصعيد المسلح هناك. وبرغم أن زيارته لم تتجاوز بضع ساعات، إلا أنها كانت زيارة تاريخية لأنها المرة الأولى التي يزور فيها مبعوث الأمم المتحدة مأرب منذ بدء الحرب عام 2014.

وجاءت زيارة المبعوث الأممي للتحذير من خطورة «المغامرة العسكرية والسعي لتحقيق مكاسب «مناطقية»، لكنه كالعادة لم يجرؤ على تسمية الحوثيين في تحذيره كي يحتفظ بقبوله كوسيط محايد للسلام، ويحاول كذلك عدم توجيه أصابع الاتهام أو الإشارة إلى الأطراف التي تعطل عملية السلام. وهذا أمر مفهوم جيداً، لكن ذلك النهج أثبت حتى الآن أنه ليس التكتيك المفيد؛ لأن محاسبة المعتدين يمكن أن تخلق ضغطاً عليهم لاحترام وقف إطلاق النار ما يسمح لعملية السلام بالمضي قدماً. وكما هو متوقع، لم يستجب الحوثيون لتحذيره أو لتحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة على الرغم من الكلام المعسول وادعائهم الاستجابة لنداءات السلام. فقد حشد الحوثيون قواتهم على الأرض وتنقلوا من جبهة لأخرى ليدمروا البنية التحتية باستهدافهم لمصفاة النفط في مأرب والتسبب في تشريد آلاف العائلات.

قبيل اندلاع النزاع في اليمن، كانت محافظة مأرب بطبيعتها القبلية وثروتها من الموارد الطبيعية مستبعدة بدرجة كبيرة من مشاريع التنمية، ولذلك عانت نقصاً في مشاريع البنية التحتية، وضعفاً في الخدمات الحكومية نتيجة لفساد النظام السابق الذي ركز فقط على العاصمة صنعاء. استخدم النظام السابق نهج «فرق تسد» بتشجيعه المعارك القبلية الداخلية في المحافظة؛ ما سمح بالاستفادة من الموارد الطبيعية في المنطقة من دون القيام بالتنمية في المقابل.

فقدت أربعة من أشقائي في الحروب القبلية في مأرب، ومع ذلك كان هناك نظام قبلي يلزم باحترام الهدنة وحماية النساء والأطفال ويسمح لوساطة السلام بالتقدم. وبعد اندلاع الحرب عام 2014، غيّر الاستقرار النسبي لمأرب وقيادتها القوية المحافظة بشكل كبير وأصبحت أكثر ازدهاراً. اليوم هناك طرق معبدة أكثر من أي وقت مضى وتحسنت الخدمات الأساسية بشكل كبير وازدهر الاقتصاد. حدث ذلك نتيجة اللامركزية السياسية التي حدثت خلال الصراع.

إن أقرب نموذج للدولة موجود الآن في مأرب نظراً إلى سيادة القانون والأمن الداخلي هناك، إلى جانب استضافة مئات الآلاف من الفارين من مناطق الحرب من مختلف أنحاء البلاد. وأصبحت مأرب أيضاً مركزاً لإعادة هيكلة الجيش الوطني بالتعاون مع دول المنطقة والعالم لوضع نهاية للانقلاب الحوثي.

لم تشهد مأرب تطوّراً هيكلياً فحسب، بل كانت هناك أيضاً تحسينات كبيرة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، حيث رأيت شخصياً كيف تغير المجتمع المحلي في مأرب، خاصة فيما يتعلق بموقفه تجاه المرأة. ففي عام 2010 أنشأت منظمة مجتمع مدني سميتها «مؤسسة فتيات مأرب» ولكن لم تكن الظروف مواتية لأن المجتمع لم يكن مستعداً ليرى النساء يخضن تجربة العمل المدني فاضطررت إلى إغلاق المؤسسة. ومنذ ذلك الحين، أوجـد النزاع المسلـح فرصاً لتحدي النظرة التقليدية للمنطقة تجاه النساء. لقد أدى نزوح السكان من صنعاء بطبيعتهم الأكثر انفتاحاً إلى تغيير ديناميكيات المجتمع المأربي، ما ألهم نساءها المشاركة في الحياة العامة والسياسية. كما أدى تقبل المجتمع القبلي المأربي لوجود النساء النازحات إلى تحفيزهن على تصدر المشهد العام.

ومع ذلك، فإن الصراع لم يكن أبداً بعيداً عن أذهان أولئك الذين يعيشون في مأرب، حتى عندما كانت المنطقة نفسها مسالمة نسبياً. بالنسبة إلى قضية تجنيد الأطفال هي قضية قريبة إلى قلبي لأنني أنتمي إلى مجتمع قبلي يعتبر حمل السلاح فيه عادة اجتماعية. ولكن بسبب الحرب، تم استقطاب الكثير من الأولاد دون سن الـ 18، بعضهم لا يتجاوز الـ 13 من العمر لكي يُرمى بهم في خطوط المواجهة ليعودوا إلى ذويهم في صناديق مغلقة، هذا إن عادوا. فهناك الآلاف من الأطفال المجندين من قبل الحوثيين، حيث تشير الإحصائيات إلى أن هناك أكثر من 30 ألف طفل تم الزج بهم في الصراع وبالتالي العواقب ليست فقط آنية من ناحية سلامتهم الجسمية والنفسية، بل هذا يعني تكوين جيل من الأطفال تم انتهاك طفولتهم وتحويلهم إلى أدوات للقتل بدلاً من إعدادهم لتنمية الوطن.

إن التصعيد الأخير ضد مأرب، إذا سمح له بالاستمرار، فإنه سوف يدمر كل الازدهار النسبي والمكاسب الاجتماعية والاقتصادية التي حققناها في فترة قصيرة. هناك قلق بالغ في المحافظة من أنه في حال نجاح الحوثيين في الإمساك بزمام السلطة فقد يشنون حملة صارمة واسعة النطاق لقمع جميع الحقوق والحريات، وهو ما سيعيدنا سنوات بل عقوداً إلى الوراء في وقت نكافح فيه للخروج من محنتنا للعيش في دولة تنعم بالاستقرار والمساواة والتقدم.

Share