مآلات الصراع السياسي والطائفي في اليمن .. المنظور والمأمول

د. عبد الرضا علي أسيري: مآلات الصراع السياسي والطائفي في اليمن.. المنظور والمأمول

  • 7 أبريل 2015

يقع اليمن في جنوب شبه الجزيرة العربية، مهد الحضارة الإسلامية العربية، ويحدّه من الشمال المملكة العربية السعودية، ومن الجنوب خليج عدن وبحر العرب، ومن الشرق سلطنة عُمان، ومن الغرب البحر الأحمر؛ وهو بذلك يطل مباشرة على مضيق باب المندب، الذي يُعَد من أهم الممرات المائية في العالم؛ كونه يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وما يزيد من الأهمية الاستراتيجية لليمن "السعيد" انتشار جزره البحرية على امتداد مياهه الإقليمية على طول بحر العرب والبحر الأحمر وخليج عدن. ومن هذه الجزر أرخبيل حنيش، وجزيرة ميون ذات الموقع الاستراتيجي في مضيق باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. وباختصار، فإن مَن يسيطر على اليمن يسيطر عملياً على مدخل أهم المعابر المائية في العالم، الذي يمر عبره جزء أساسي من صادرات العالم النفطية والتجارية ووارداته.

سلاح العشائر

من الناحية الاقتصادية يعاني اليمن ضعفاً وفقراً وبطالة وهجرة طاقاته العاملة إلى الخارج، ولاسيما دول الجوار الغنية بالنفط. ومن الناحية الاجتماعية والديموغرافية تسيطر الطبيعة القبَلية على المجتمع اليمني، الذي يعيش أغلبية سكانه في الجبال والأرياف؛ وتمثل القبائل 85% من سكانه الخمسة والعشرين مليون نسمة. وتلعب الانتماءات العشائرية والمناطقية الدور الأكبر في رسم الخريطة السياسية لليمن، ناهيك بالانقسام (وهو سياسي واجتماعي في الحقيقة) بين أغلبية سُنية شافعية وأقلية زيدية كبيرة (نحو ثلث السكان)، بالإضافة إلى أقليات صغيرة جداً من مسيحيين وإسماعيليين ويهود.

والظاهرة اللافتة للنظر في هذا البلد هي انتشار السلاح في أيدي سكانه بشكل واسع؛ فهو البلد الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث نسبة انتشار السلاح بين أفراده، مع فارق هو أن بيع السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية مقنّن ومنظّم، بينما في اليمن تُفتقَد التشريعات والقوانين التي تنظم هذا الأمر؛ فهناك قبائل وأحزاب تملك أسلحة ثقيلة من مدافع ودبابات وغيرها، في ظل دولة تعجز عن مواجهة هذه الظاهرة بسبب نفوذ تجار السلاح الذين تحميهم القبائل؛ حتى إن "قائمة سوداء" وزعتها السلطات اليمنية في الثامن والعشرين من ديسمبر 2014 عن تجار السلاح ومهرّبيه شملت زعماء قبَليين، وقادة عسكريين، وأعضاء في البرلمان، بالإضافة إلى محافظ صعدة.

صراعات تتلوها حوارات

من الناحية التاريخية كانت معظم أجزاء اليمن تحت حكم الإمامة الزيدية طوال ألف عام. ومنذ اندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 في الشمال ضد حكم الأئمة، ثم ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، عاشت البلاد على إيقاع الصراعات المتتالية والحوارات الموازية لها؛ وكان كل صراع ينتهي باتفاق يمهد لصراع جديد واتفاق جديد. ولعل الحوار الذي جرى بين الشركاء في الحكم بعد ثلاث سنوات من تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 هو الأكثر حضوراً في الذاكرة اليمنية المعاصرة؛ إذ إنه برغم توقيع مختلف القوى السياسية والاجتماعية "وثيقة العهد والاتفاق"، فقد اندلعت حرب طاحنة بين الشمال والجنوب عام 1994، انتهت بتوحيد الشطرين بالقوة المسلحة تحت نظام الجمهورية العربية اليمنية، برئاسة علي عبدالله صالح، الرئيس المنتخب عام 1978. ومنذ ذلك اليوم بقيت مشكلة الجنوب، الغنيّ بموارده الاقتصادية، والطامح إلى الانفصال عن الشمال، الهمّ الأساسي للسلطة الحاكمة في صنعاء. وبقي اليمن جرحاً نازفاً مفتوحاً أمام التدخلات الخارجية، وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية، وآخرها عهداً تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية". ولا ننسى المشكلة المزمنة المتمثلة في الصراع مع الحوثيين بمنطقة صعدة الجبلية الشمالية، التي كلفت السلطة المركزية ست حروب متتالية.

وبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، وإعلان واشنطن "الحرب العالمية على الإرهاب"، بدأت طائرات "درون" (من دون طيار) تعمل في الأجواء اليمنية بتنسيق مع حكومة صالح المركزية ضد تنظيم القاعدة الناشط هناك. وفي يناير 2009 أعلن فرعا القاعدة في السعودية واليمن اندماجهما تحت اسم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" (بالمناسبة هو الذي تبنّى عملية شارلي إيبدو في باريس مطلع العام الجاري)، قبل أن ترسل إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، عام 2012 قوات أمريكية خاصة إلى اليمن في إطار محاربة هذا التنظيم الإرهابي.

وبقي صالح حليفاً مقرباً من واشنطن بفضل انخراطه في الحرب على القاعدة، وفي الوقت نفسه ضد الحوثيين في الشمال، الذين تدعمهم إيران المعادية لواشنطن.

"الربيع العربي" وتداعياته اليمنية

انفجرت الثورات الشعبية العربية انطلاقاً من تونس ثم مصر قبل ليبيا وسوريا، وكان من الطبيعي أن تصل وبسرعة فائقة إلى اليمن، الذي كان يحكمه علي عبدالله صالح على مدى ثلاثين عاماً، تراكمت خلالها كل أنواع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ناهيك بالانفراد بالسلطة والفساد وغيرهما. وقبل "الربيع العربي"، لم يكن اليمن دولة مكتملة، بل في طور التكوّن في أحسن الأحوال؛ إذ لم ينجح صالح في بناء دولة قانون ولا في تحويل شعبه أمة حقيقية تسودها الرغبة في العيش الكريم المشترك.

ولم يسقط صالح بالسهولة التي سقط بها الرؤساء زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ثم معمر القذافي؛ إذ كان له مؤيدون في الجيش والحرس الجمهوري، الذي كان يتزعمه نجله أحمد، كما في مراكز أمنية وسياسية حساسة، ولدى قبائل متعددة، ناهيك بحزب المؤتمر الشعبي، الذي يتزعمه ويتمتع بشعبية لا بأس بها. ولكن برغم كل شيء، وبعد نجاته من محاولة اغتيال في الثالث من يونيو 2011، وافق على المبادرة الخليجية، التي قضت بخروجه من القصر الرئاسي، ودخول نائبه عبد ربه منصور هادي، لقيادة المرحلة الانتقالية نحو انتخابات رئاسية وتشريعية ودستور جديد، وما شابه. وقد خرج صالح من القصر الرئاسي، وليس من صنعاء؛ حيث بقي "بطل الكواليس"، بحسب أحد المراقبين، لاعباً سياسياً نافذاً وقادراً على الاستفادة من تعثر الانتقال السياسي، وفشل التحول الديمقراطي في عهد هادي، الذي انشطر فيه اليمن بين ميليشيات مذهبية وقبائل وجماعات محلية وعصابات إجرامية وإرهابية لا تخضع لأي سلطة عليا.

اغتيالات وتفجيرات

تميّز هذا العهد باضطرابات وتعقيدات لم يشهدها اليمن في تاريخه المعاصر؛ فظاهرة التفجيرات والاغتيالات السياسية ليست حديثة العهد في اليمن، ولكنها بلغت ذروتها في السنتين المنصرمتين، تحديداً منذ تسلم الرئيس هادي السلطة عام 2012. ويقدّرها المراقبون بعشر عمليات شهرياً، كان لتنظيم القاعدة حصة الأسد فيها، وذلك رداً على نجاح هادي في إلحاق هزيمة ساحقة بالقاعدة في "إمارتها" بمنطقتي أبين وشبوة. ومن المؤكد أن القاعدة لم تكن مسؤولة إلا عن بعض هذه العمليات؛  فالأطراف المتصارعة جميعاً لجأت إلى الإرهاب في الاقتتال الداخلي.

وقد اشتدّ عود القاعدة برغم نجاح طائرات "درون" الأمريكية في اصطياد عدد كبير من زعمائها. ولكن عود الحوثيين قَوِي أيضاً، وهم الذين واجهوا الرئيس السابق، صالح، في ست حروب متتالية بين عامي 2004 و2010. وكغيرهم استغلوا الظروف الناجمة عن تعثر التحول الديمقراطي؛ لكي يمدوا نفوذهم تدريجياً خارج مناطقهم في صعدة؛ فقد شاركوا في ثورة عام 2011، فكانوا في الميادين والتظاهرات، قبل أن يتمكنوا من الانطلاق من قواعدهم في صعدة بالشمال للتقدم وتحقيق مكتسبات عبر السيطرة على المزيد من الأراضي، وصولاً إلى السيطرة على صنعاء نفسها في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، مستفيدين من تعاون صالح والموالين له في الجيش والحزب معهم (طمعاً منه في الانتقام من ثورة 2011، والعودة إلى السلطة، أو توريثها لنجله أحمد الذي كان يقود الحرس الجمهوري).

وليس من قبيل المصادفة أن تنظم تظاهرات في صنعاء تطالب نجله بالترشح للرئاسة، في وقت تنظم تظاهرات أخرى في الجنوب، وفي تعز في الغرب، تندد بالانقلاب الحوثي وبالإعلان الدستوري الصادر في السادس من يناير الماضي، وكذلك في حضرموت وشبوة.

ويجدر التذكير بأن "أنصار الله" الحوثيين، الذين يقودهم حالياً عبدالملك الحوثي بعد مقتل أخيه في الحرب عام 2004، كانوا في الأصل حركة احتجاجية شعبية ضد تهميش الزيديين، وضد الحركة الدعوية التي كان يقودها في مناطقهم "حزب الإصلاح" السني، حليف علي عبدالله صالح، المحسوب على "الإخوان المسلمين"، وقد أضحوا ميليشيا متمرّسة بفنون القتال وحروب الشوارع بعد خوضهم حروباً ضد صالح ثم هادي من بعده؛ وهم مدفوعون بقناعات دينية وأيديولوجية يغذيها حلم العودة إلى الإمامة الزيدية، التي حكمت قسماً من اليمن أكثر من ألف عام قبل سقوطها عام 1962. وهم يحظون بدعم إيراني بدليل مسارعتهم إلى ترميم مطار صعدة وتوسيعه وتسيير رحلات يومية مع طهران، التي سارع بعض مسؤوليها من الصف الثاني إلى إعلان "الانتصار" فور إعلان خبر سيطرة الحوثيين على صنعاء.

ومنذ ربيع العام الماضي بدأ الحوثيون في التقدم تدريجياً؛ فسيطروا على عمران وإب في قلب الجرود الجبلية الوعرة، قبل الحديدة على طول البحر الأحمر، ثم الأجوف ومأرب والبيضا في الشرق؛ وهذا ما مهّد لسيطرتهم على العاصمة. والمعروف أن صعدة لا ثروات نفطية فيها، وليس لها منفذ بحري؛ لذلك سعوا إلى السيطرة على مأرب التي تضم النفط والغاز الطبيعي، ثم الحديدة، وهي المرفأ الثاني بعد عدن الذي يفتح أمامهم آفاق التجارة، الشرعية منها وغير الشرعية. هذا الوجود على الساحل يسمح لهم بالتطلّع إلى السيطرة على نقطة استراتيجية مهمة هي مضيق باب المندب، حيث تمر ناقلات النفط المتجهة إلى قناة السويس. وهذه المزية تفيد الحوثيين بالطبع، ولكنها تفيد كذلك حلفاءهم الإيرانيين، الذين سيصبحون عندها قادرين على قطع ممرَّي الطاقة الأهم في العالم: مضيق هرمز ومضيق باب المندب؛ وهذا ما لا يمكن أن تقبله الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بأي حال من الأحوال.

فسيفساء التحالفات

إذا كان وجود الحوثيين في الشمال طبيعياً في فضائهم الثقافي والتاريخي؛ فإن توجههم صوب الجنوب وعلى طول الشاطئ دونه عثرات وعقبات؛ ففي الجنوب والشرق تمتد أراضٍ تخضع لولاءات معقدة ومتشعبة؛ فهناك القوى السياسية التقليدية التي تتعايش مع عشرات القبائل المسلحة، حيث الولاءات العشائرية والمناطقية والمصالح الخاصة، وتلك فسيفساء تتضمن تحالفات سريعة التبدل والتغير. وتضاف هذه السيولة في التحالفات إلى ميكانيزمات ثأر تجعل العلاقات البينية شديدة التعقيد واللااستقرار.

لكن الحوثيين شنوا هجوماً لم يكن متوقعاً ضد الجنوب؛ استجابةً لدعوة زعيمهم، عبدالملك الحوثي، في الثالث والعشرين من مارس الماضي. وقد فرّ الرئيس المستقيل هادي من صنعاء، حيث كان في الإقامة الجبرية، إلى عدن التي أعلنها عاصمةً للبلاد بعد أن عاد عن استقالته، ولقي في ذلك تجاوباً من دول كبرى وإقليمية نقلت سفاراتها إلى عدن. لكن ذلك لا ينفي وجود مناهضين أقوياء له في عدن، منهم على سبيل المثال لا الحصر اللواء عبدالحافظ السقاف، قائد القوات الأمنية الخاصة، الذي رفض تنفيذ قرار هادي بعزله من منصبه، بل هاجمت قواته اللجان الشعبية المسلحة المؤيدة لهادي. وبعض هذه اللجان جزء من "الحراك الجنوبي"، الذي وإن كان إلى جانب هادي ضد الحوثيين في هذه المرحلة، فإنه لطالما حمل لواء مطالب خاصة بالجنوب، منها الانفصال، أو الاستقلال، كما يعبرون.

وقد فرّ وزير الدفاع، اللواء محمود الصبيحي، من صنعاء حيث كان في الإقامة الجبرية، لكنه رفض التقاء هادي إلا بعد وساطة أمريكية انتهت باجتماع في مقر الرئاسة في عدن بينهما، بحضور السفير الأمريكي ماتيو تولر. وانتقلت وحدات من الجيش اليمني إلى عدن لمؤازرة هادي، وبقيت وحدات مؤيدة لصالح في الشمال.

وقد انشطر الجيش، كما انقسمت البلاد، وتفرّق المجتمع على خلفية فوضى عارمة، ولا يبدو أن وساطة الأمم المتحدة التي يقودها جمال بن عمر، ممثل الأمين العام للمنظمة، قد أثمرت شيئاً.

وكان بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، قد أطلق صرخة مدوّية: "اليمن ينهار أمامنا". ولا يملك مؤتمر الرياض لحلّ الأزمة اليمنية، برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما يفرضه على المتصارعين من حلول إذا لم تحظَ بإجماعهم. ويبقى هذا الإجماع مستحيلاً في غياب وفاق سعودي-إيراني، ليس حول اليمن فحسب، ولكن في الملفات الإقليمية الخلافية كافة، وقد أضحت كثيرة ومعقدة ومتشابكة.

ويستفيد تنظيم القاعدة من هذه الفوضى للاستحواذ على تأييد الذين ينظرون بعين الريبة إلى أهداف الحوثيين المضمَرة، وأولئك المتعصبين من السّنة، المؤمنين بأن هذا التنظيم هو الأقدر على حمايتهم. والمفارقة أن العداء للقاعدة، ووجوب محاربتها، يجمعان ما بين المتخاصمين كلهم في اليمن تقريباً، وتضع الولايات المتحدة الأمريكية محاربة هذا التنظيم على رأس أولوياتها، وربما هذا ما يشرح محاولات الحوثيين الضمنية للتقارب مع واشنطن، بحسب ما أوردت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية. لكن مثل هذا التقارب غير مطروح قبل انجلاء الملف التفاوضي النووي الإيراني؛ الأمر الذي لا يمنع من أن تغدو إيران مع حلفائها في خندق واحد ضد التكفيريين والإرهابيين في العراق وسوريا وليبيا واليمن والمنطقة كلها. لكن تقاطع المصالح شيء، والتحالف المعلن شيء آخر.

الوصول إلى حل يتمتع بالديمومة لمثل هذه الخريطة اليمنية المعقدة من النواحي السياسية والاجتماعية والاستراتيجية كلّها، لا يبدو ممكناً في الأمد المنظور على الأقل. أما على المستوى الإقليمي، ففي غياب اتفاق إيراني-سعودي؛ قد يصر كل طرف من الطرفين الإقليميين الأساسيين على تحقيق مزيد من المكاسب في وجه الطرف الآخر. خاصة في وجود استفزازات حوثية على شكل مناورات عسكرية على الحدود مع السعودية، وفي الظروف الراهنة الفائقة الحساسية.

أما على المستوى الدولي؛ فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى توافق مع إيران في الملف النووي وما يتخطاه إقليمياً، ولا يضيرها تقدم الحوثيين، إلا في حالة تخطيه الخطوط الحمر المتعلقة بأمن حلفائها، ولاسيما إسرائيل (باب المندب). ومن جهة أخرى فهي في حالة تحالف موضوعي مع الحوثيين ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي بات ناشطاً حتى في أوروبا.

وعلى المدى المتوسط؛ فقد بات الصراع مرتبطاً بمآل العلاقات السعودية-الإيرانية التي لا يبدو أنها في اتجاه الاتفاق على الخريطة الجيواستراتيجية الجديدة في المنطقة؛ التي تنتظر بدورها وفاقاً دولياً، تحديداً بين واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران المدعومة من الجهة المقابلة بحلفاء مثل روسيا والصين.

وعلى المدى البعيد؛ فإن أزمات المنطقة باتت مرتبطة الواحدة بالأخرى، ومتشابكة، ومتداخلة إلى درجة أنه بات من الصعب تصور حلول لكل منها على حدة، برغم خصوصية كل أزمة من هذه الأزمات. والأرجح أنها تنتظر جميعها حلاً واحداً يعيد تركيب خريطة شرق أوسطية جديدة.

تطور مفاجئ.. سيناريوهات معقدة

الزحف الحوثي المدعوم بقوات الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، نحو الجنوب كان مفاجئاً للجميع من سياسيين وعسكريين ومراقبين؛ والأكثر مفاجأة كان انهيار القوات المدافعة عن الرئيس هادي أمام القوات المهاجِمة، التي تمكّنت بسرعة من الاستيلاء على مناطق ومواقع استراتيجية، منها مطار عدن، وصولاً إلى اقترابهم من السيطرة على مدينة عدن نفسها. وتسارعت التطورات إلى درجة دخول السعودية العلني في الحرب عبر حشد قواتها البرية على الحدود الشمالية مع اليمن قبل أن تقصف طائراتها مواقع للحوثيين وقوات علي عبدالله صالح. وقد أعلن خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، اسم العمليات التي تمثل الائتلاف الجديد، الذي تقوده الرياض، وهو "عاصفة الحزم"؛ وقد انضمت إليه، فور إعلانه، دول متعددة عربية وإسلامية، مثل السودان والأردن وباكستان والمغرب ومصر، بالإضافة إلى بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عدا سلطنة عُمان، وربما تنضم إليه دول أخرى. وبالتالي، فإن منطقة الخليج باتت تقبع تحت تهديد حرب إقليمية حقيقية، في حال عدم مسارعة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى استصدار مبادرة بالتنسيق مع الدول الإقليمية المعنية مباشرة بالملف اليمني؛ من أجل وقف إطلاق النار، تمهيداً للدخول في مباحثات حول حل سياسي دائم للأزمة اليمنية.

وهنا يبدو من الضروري مراجعة بنود "المبادرة الخليجية"، وإعادة صياغتها بشكل يرضي الأطراف كلها، وفقاً للتطورات المستجدة والمتسارعة؛ فالأيام المقبلة ستكون حبلى بالأحداث؛ حيث اليمن، ومنطقة الخليج العربي، وشبه الجزيرة العربية، أمام مفترق طرق مصيري وخطر: فإما الانزلاق في أتون حرب إقليمية لا نعرف متى تبدأ، ولا كيف ومتى تنتهي؛ وإما قبول خيار تسوية سلمية، ولو مؤقتة، في انتظار ما ستؤول إليه الملفات الأخرى العالقة في المنطقتين العربية والإقليمية.

 

من مقالات العدد الجديد من مجلة "آفاق المستقبل"، العدد 26، أبريل/ مايو/ يونيو 2015

 

Share