ليس هناك أزمة في الإمدادات النفطية العالمية وشيكة الحدوث

ليس هناك أزمة في الإمدادات النفطية العالمية وشيكة الحدوث

  • 23 نوفمبر 2009

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع د. محمد السهلاوي، أستاذ اقتصاديات الطاقة بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ناقش فيها عدداً من القضايا المتصلة بأمن الطاقة في العالم وفي منطقة الخليج العربي، من أهمها: أزمة الإمدادات النفطية العالمية "وشيكة الحدوث" وغيرها من مصادر التهديد الرئيسة لأمن الطاقة، الاعتماد المتبادل، وتسعير النفط، وربط تجارة النفط بالدولار الأمريكي، ومستقبل الطاقة المتجددة ودورها في أمن الطاقة العالمي، وانعكاسات ذلك كله على منطقة الخليج العربي.

وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة الخطيب في فعاليات مؤتمر الطاقة السنوي الخامس عشر "أمن الطاقة في الخليج: التحديات والآفاق"، والذي عقده المركز، في الفترة من 16-18 نوفمبر 2009. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: صدرت مؤخراً بعض التقارير تشير إلى قرب حدوث أزمة في الإمدادات النفطية العالمية. فهل تَصدق هذه التوقعات؟ وإذا كانت الإجابة بـ"نعم"، فكيف ستكون آثارها الاقتصادية؟

ج:  موضوع أمن الإمدادات النفطية موضوع مهم وأساسي، ويتعلق بحجم الاستثمارات التي تضخ في التنقيب عن النفط وتطوير الحقول في مناطق الإنتاج التقليدية كمنطقة الخليج أو في المناطق الجديدة الأخرى.

وأعتقد أن أحد الأسباب الرئيسة لارتفاع أسعار النفط العام الماضي هو عجز كثير من الدول المنتجة عن الإيفاء بما يحتاجه السوق. ومن حسن الحظ أن المملكة العربية السعودية استخدمت جزءاً من الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع الأسعار في زيادة الطاقة الإنتاجية لحقول النفط الموجودة حالياً. 
ويجب ألا نغفل عن أن أمن الإمدادات مرتبط بتأمين الطلب على البترول. في هذا الخصوص، نتوقع حدوث زيادات كبيرة في الطلب الآسيوي على النفط، ولاسيما من جانب الصين والهند ودول آسيا الباسيفيك. ولكن لن يتحقق تعادل العرض والطلب في ظل سياسات مالية عالمية وأوضاع اقتصادية غير مستقرة. ويجب أن يكون هناك سعر مستقر ومعقول لأسعار البترول؛ لأن التذبذب السريع والكبير في الأسعار يقود إلى نتائج سلبية على الإمدادات البترولية.

وبالنسبة لما أثارته بعض التقارير بشأن قرب حدوث أزمة في الإمدادات النفطية العالمية، فأؤكد لكم أنه ليس هناك من أزمة وشيكة الحدوث في الإمدادات البترولية، ولاسيما إذا تحققت أسعار مشجعة للنفط تمكن المنتجين من الاستثمار في قطاع الصناعات اللاحقة لانتاج النفط.

س2: ما هي تأثيرات التطورات الأخيرة في مجال سياسات الطاقة في الدول المستهلكة الرئيسية للنفط على دول الخليج العربية؟

ج: هذا يتصل بما سبق أن أشرت إليه بأمن الطلب. وتتمثل التطورات الأخيرة في مجال سياسات الطاقة في الدول المستهلكة الرئيسية للنفط في تبني سياسات أو إصدار تشريعات معينة، مثل أنظمة الضرائب والتشريعات المتعلقة بالبيئة وتغير المناخ، تؤثر بشكل سلبي على الطلب على البترول، وتضر بالإمدادات. ويجب على الدول المستهلكة للبترول في أوروبا وأمريكا الشمالية أن تراعي عند رسم سياسات الطاقة لديها تحقيق التوازن بين تشجيع الطلب، وتحقيق عوائد مالية من نظامها الضريبي، بما لا يمثل إجحافاً للدول المنتجة.

صحيح أن المسؤولين في هذه الدول صرحوا بأنهم اتخذوا هذه السياسات والتشريعات من أجل الحد من الاعتماد على النفط المستورد، وتشجيع الاتجاه نحو الطاقة المتجددة، غير أنني أزعم أن هذه التصريحات هي لغرض الاستهلاك المحلي، أو من قبيل المناورات السياسية. فالحقيقة أنه لا يمكن لهذه الدول الاستغناء عن البترول، ولاسيما الدول الأوروبية التي تأتي 70% من استهلاكها الطاقوي من الوقود الأحفوري، وتملك مصادر محدودة جداً منه. ومن ثم، فاعتمادها كبير على بترول الخليج.

س3: كيف يكون الاعتماد المتبادل هو مفتاح أمن الطاقة، فيما تنتشر سياسات استقلالية بل متصارعة في سوق النفط ،سواء في التسعير أو الإنتاج أو التجارة بين الدول المنتجة ونظيراتها المستهلكة على السواء؟

ج: نعم، الاعتماد المتبادل هو مفتاح أمن الطاقة سواء على مستوى كل دولة أو على المستويين الإقليمي والدولي. فقد ثبت الآن أكثر من أي وقت مضى أن أمن الطاقة لا يمكن أن يتحقق إلا بالتعاون بين المنتجين والمستهلكين، سواء في الاستثمارات أو التسعير أو تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا أو فتح التجارة أو في الصناعات النفطية …إلخ.

وأتصور أنه لو كان هناك فهم واضح لمسألة الاعتماد المتبادل، لما حدثت الطفرة الكبيرة في أسعار النفط في العام الماضي. وبعبارة محددة، فإن القصور في فهم الاعتماد المتبادل، ولاسيما بين المنتجين والمستهلكين، هو الذي يقود إلى هذه السياسات التنافسية أو المتصارعة في أسواق الطاقة العالمية.

س4: هل هناك اتفاق على أفضليات سعرية معينة بين دول مجلس التعاون الخليجي؟

ج: أعتقد أن آلية العرض والطلب هي التي تحدد سعر النفط. صحيح أن هناك عوامل أخرى تؤثر بشكل أو بآخر في أسعار النفط، مثل سعر صرف الدولار ومستويات التضخم ومعدلات الفائدة والأحداث السياسية التي تقع في مناطق الإنتاج أو في مناطق الاستهلاك والمضاربات…إلخ، إلا أن سعر البترول يظل منوطاً بقوى السوق. أما بالنسبة للأفضليات السعرية لدول مجلس التعاون الخليجي، فهم يريدون سعراً معقولاً للبرميل. وأعتقد أن سعراً يتراوح بين 60 إلى 80 دولار هو سعر معقول، وواقعي، ويمثل توازناً بين العرض والطلب.

س5: هل يمكن أن تلقوا نظرة على كيفية إدارة الفوائض المالية الناتجة عن تصدير النفط في دول الخليج العربية ؟

ج: يجب ألا نتجاهل الأخطاء الكبيرة في التخطيط المالي للاستفادة من عائدات النفط في دول الخليج العربية، في السنوات الماضية، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات في الخارج. كما لا يمكن أيضاً تجاهل الإيجابيات، والإنجازات التي تحققت في هذا الخصوص. فقد تم استخدام جزء من هذه العوائد في توسيع القاعدة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، والتوسع في صناعات التكرير والبتروكيماويات وغيرها من الصناعات الرديفة، وبناء رأس المال البشري.

وفي رأيي، يجب أن نعالج هذه الأخطاء في المستقبل، وأن نركز على الاستثمار في رأس المال البشري، وبصفة خاصة تكوين الخبرات والكفاءات في قطاع النفط، وكذلك على مزيد من توسيع القاعدة الإنتاجية البترولية. وأريد هنا أن أشدد مرة أخرى على أهمية تكوين الكوادر والخبرات الوطنية في قطاع النفط، والتي يجب أن تشغل فكر المخططين السياسيين والاقتصاديين في دول الخليج العربية، وأن تكون على قمة أجندتهم. ويجب في هذا الخصوص أن يؤمنوا تسهيل نقل التكنولوجيا النفطية من الدول المستهلكة، وأن يربطوا ذلك بأمن الإمدادات، وأن يسعوا إلى توطين هذه التكنولوجيا، وتشجيع الإضافات العلمية الوطنية مالياً وتسويقها. 

س6: ما تأثيرات تراجع قيمة الدولار الأمريكي باعتباره عملة التسعير على سوق الطاقة؟ وهل يجدر بدول الخليج العربية فك الارتباط بين تجارة النفط والدولار الأمريكي؟

ج: موضوع تسعير النفط بالدولار من أهم المواضيع إثارة للجدل حالياً. ويتساءل بعض المحللين: لماذا تستمر دول الخليج العربية في تسعير النفط بالدولار الأمريكي على الرغم من الخسائر الضخمة من انخفاض الدولار مقابل العملات العالمية الأخرى في السنوات الأخيرة؟ وفي الحقيقة، عندما ينخفض سعر الدولار تنخفض القيمة الحقيقية للإيرادات البترولية، ما ينعكس على الاستقرار السياسي والاقتصادي للدول المنتجة، ويؤثر في الاستثمارات المتاحة لتوسيع القدرات الإنتاجية بها.

وإذا ألقينا نظرة تاريخية على الموضوع، فإن قيمة الدولار كان تتعرض للتقلب من فترة لأخرى، ومع ذلك استمرت أعضاء أوبك في تسعير نفطها بالبترول. يضاف إلى ذلك أن تسعير النفط بعملة أخرى غير الدولار، كاليورو أو الين مثلاً ليس هو الحل، فقد تتعرض هي الأخرى للتقلبات، ومن ثم فلن يحل مشكلة انخفاض القوة الشرائية للدول المنتجة، ولاسيما عندما تبدأ هذه العملة في الانخفاض مقابل الدولار. كما أن طرح سلة من العملات لتسعير النفط مسألة تواجهها عدداً من العقبات، أولها- كيف يمكن إدارتها. وثانيها أن هذه السلة نفسها قابلة لعدم الاستقرار؛ لأن الموازين التجارية ومعدلات التبادل التجاري بين الدول المنتجة ونظيراتها المستهلكة تتغير باستمرار. فضلاً على أن تجارة النفط العالمية تحتاج إلى سيولة كبيرة، وهذه السيولة لا تتوافر في أي عملة غير الدولار، وأن الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم وأكبر شريك تجاري لدول الخليج. وعليه، فلن يتم استبدال الدولار بعملة أخرى لتسعير النفط في المستقبل المنظور.

س7: كيف تقيمون دور أشكال الطاقة الجديدة والمتجددة في أمن الطاقة العالمي؟ وكيف تنظرون إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الخصوص؟

ج: في رأيي أن الطاقة المتجددة هي المستقبل. ولكن يجب ألا يأتي الاهتمام بها على حساب الطاقة التقليدية الأحفورية، والتي هي مصدر الدخل. فالطاقة المتجددة لها إيجابياتها وسلبياتها، فضلاً على أنها مكلفة للغاية. وتشكل مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة حوالي 10% من مزيج الطاقة العالمي.

وأعتقد أن الخطوات التي اتخذتها دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال الطاقة المتجددة تنم عن رؤية بعيدة المدى من جانب قيادتها، وسوف تسهم في أمن الطاقة في هذا البلد في المستقبل. وعلى المدى البعيد، فإن الطاقة التقليدية قابلة للنضوب. ومن ثم، فإن الدخول في مجال الطاقة المتجددة، والاستحواذ على المعرفة في هذا الخصوص، هي سياسة علمية واقتصادية بعيدة المدى، يجب الإشادة بها. 

Share