ليبيا: ما الدور الذي يمكن أن تؤدّيه القبائل في تسوية الأزمة؟

  • 30 يونيو 2020

برزت القبائل بشدَّة على سطح الأحداث التي تمر بها ليبيا حالياً، والسؤال المطروح مفاده: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه القبائل في تسوية الأزمة المستحكمة في البلاد، التي تعقَّدت بشكل أكبر بعد التدخل التركي الفجّ في الشؤون الداخلية لليبيا؟

 

تتميز ليبيا بطبيعتها القبَلية؛ حيث تلعب القبيلة دوراً كبيراً في الحياة العامة، وقد اعتمد الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في حكمه على عنصر التوازن القبلي؛ الأمر الذي أسهم في بقاء النفوذ السياسي للقبائل، وفي الوقت نفسه كان ذلك من العوامل التي وفرت الاستقرار لنظام القذافي وبقائه في حكم ليبيا عقوداً طويلة.

وبعد إسقاط نظام القذافي برز العامل القبلي بشكل جليّ، وكان أحد العوامل الحاكمة لتطور الأحداث التي شهدتها ليبيا منذ ذلك الوقت؛ حيث شكلت القبائل كيانات مسلحة بعد غياب دور الجيش والشرطة، وفي ظل الصراع المستعِر بين حكومة الوفاق الوطني بزعامة فائز السراج من ناحية، والجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر من ناحية ثانية، كانت القبيلة ركيزة أساسية في هذا الصراع؛ فهناك قبائل بعينها تدعم هذا الطرف، وهناك قبائل أخرى تدعم الطرف المقابل.

وتشمل الخريطة القبلية في ليبيا الكثير من القبائل المؤثرة؛ ففي غرب ليبيا يبرز دور قبيلة الورفلة، التي يتجاوز عدد أبنائها المليون شخص؛ ما يمثل سدس سكان البلاد، وهناك قبائل ترهونة وقبائل مصراتة. أما في الشرق؛ فتبرز قبائل برقة، التي تعد الداعم الرئيسي لمؤسسات الدولة الوطنية في ليبيا، خاصة مؤسستي الجيش والشرطة. وفي الجنوب هناك قبائل عربية تمثلها قبيلة الزوية، وأخرى تنحدر من أصول إفريقية مثل التبو، وهناك أيضاً قبيلة الطوارق ذات الأغلبية الأمازيغية.

وقد استنفر التدخل التركي في الشؤون الداخلية لبلد ناضل طويلاً ضد التدخل الأجنبي والاحتلال الإيطالي للبلاد، حتى تحرير ليبيا؛ عدداً كبيراً من القبائل الليبية، التي أعلنت دعمها لما صرح به الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، حول رفض التدخل التركي في ليبيا، وكونه يمثل تهديداً خطيراً للأمن القومي المصري، مؤكداً دعمه قبائل ليبيا في مواجهة هذا التدخل؛ حيث ستعقد القبائل الليبية، خلال الأسبوع الجاري، اجتماعاً موسَّعاً في القاهرة، وفقاً لما صرح به محمد المصباحي، رئيس ديوان المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان القبائل الليبية، وهذه القبائل تدعم بطبيعة الحال الجيش الوطني الليبي.

ولكن يبدو أن التدخل التركي، الذي يدعم حكومة الوفاق الوطني وحلفاءها من الميليشيات المسلحة، يحظى بمباركة قبائل أخرى تدعم هذه الحكومة، حيث عبَّرت هذه القبائل عن رفضها تصريحات السيسي، التي ألمح فيها إلى احتمال تدخل الجيش المصري في ليبيا إذا دخلت قوات الوفاق مدينتي سرت والجفرة، والتي اعتبر فيها أن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية (في ليبيا) باتت تتوافر له الشرعية الدولية، سواء بحق الدفاع عن النفس، أو بناءً على طلب السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة في ليبيا، وهي مجلس النواب (طبرق)؛ وهو ما جاء عقب تأكيد رئيس برلمان طبرق الليبي، عقيلة صالح، أنه سيطلب رسمياً من مصر التدخل عسكرياً إذا حاولت قوات حكومة الوفاق الدخول إلى مدينتي سرت والجفرة. وفي هذا السياق، قال ما يسمى المجلس الأعلى للمدن والقبائل الليبية، في بيان له، إنه يرفض رفضاً قاطعاً كل ما جاء في كلمة السيسي، ويعدُّها إعلان حرب، طالباً من الجيش المصري ألا يكون أداة لانتهاك السيادة الليبية، محذراً من أن أي تصرف أو عدوان من شأنه الإساءة إلى العلاقات الوطيدة بين الشعبين الشقيقين.

وهكذا؛ فإن الصراع المستعر في ليبيا أبرز، بشكل غير مسبوق، دور القبائل التي تبدو منقسمة على نفسها بين ما تؤيد حكومة الوفاق، وما تؤيد الجيش الوطني؛ وهذا الانقسام قد يعمّق هذا الصراع، ولكنه قد يكون مدخلاً لحل الأزمة؛ إذا ما توافقت القبائل على ضرورة حل هذا الصراع في إطار ليبي-ليبي من دون تدخّل خارجي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات