ليبيا ليست عدواً لأمريكا ولا حليفاً لها

د. كينيث كاتزمان: ليبيا ليست عدواً لأمريكا ولا حليفاً لها

  • 19 نوفمبر 2005

من المعروف أن ليبيا كانت أحد الأعداء الرئيسيين للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. لقد كانت حليفة للاتحاد السوفييتي وداعمة لأكثر الجماعات الإرهابية الفلسطينية نشاطاً، كذلك قدمت ليبيا دعماً مادياً للمنظمات الإرهابية غير الشرق أوسطية مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي والجيش الأحمر. ومن ثم وضعت الولايات المتحدة ليبيا في صدارة قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، تفاقمت التوترات بين ليبيا والولايات المتحدة حول مساندة ليبيا للإرهاب لتبلغ حد الصدام العسكري، مثل الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة على المنشآت العسكرية الليبية عام 1986. وقد جاءت هذه الضربات انتقاماً للتفجيرات التي نفذها عملاء ليبيون في مرقص "لا بيل" في برلين بألمانيا، الذي كان أفراد القوات الأمريكية يترددون عليه. ومع تفجير رحلة بان أم (PAN-AM) رقم 103، في ديسمبر/كانون الثاني 1988، تطور الإرهاب الليبي وبات قضية دولية، وأدى إلى قيام الأمم المتحدة بفرض عقوبات على ليبيا.

وعلى الرغم من أن تحسناً بطيئاً بدأ عام 1999، عندما قرر الزعيم الليبي معمر القذافي تسليم العميلين الليبيين المتهمين في تفجيرات رحلة بان أم إلى محاكمة دولية تجرى طبقاً للقانون الاسكتلندي، فقد بدأت العلاقات بين ليبيا والولايات المتحدة تتخذ منحى دراماتيكياً. لقد جسد هذا القرار نجاحاً رئيساً للضغوط التي مورست على ليبيا من خلال العقوبات الدولية. كما أن تسليم العميلين الليبيين للمحاكمة قد قاد إلى تخفيف هذه العقوبات أيضاً.

إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كانت العامل المساعد الذي كشف وعزز بعض القواسم المشتركة بين الولايات المتحدة وليبيا. فالقذافي زعيم علماني، وهذا هو ما يجعله مستهدفاً من جانب الإسلاميين الذين ينشدون إقامة دولة إسلامية في ليبيا. ولطالما حاول المسؤولون الليبيون تذكير محدثيهم الأمريكيين بأن ليبيا هي التي طلبت من الإنتربول خلال التسعينيات من القرن الماضي القبض على أسامة بن لادن بسبب أنشطته الإرهابية ضد نظام القذافي، وبذلك فإن ليبيا أدركت خطر ابن لادن قبل الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الأخرى.

ثم ما لبثت أن تسارعت عجلة التحسن الذي طرأ على العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا في أعقاب قرار الأخيرة عام 2003 بتفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى. وتختلف الآراء حول الأسباب التي دفعت ليبيا إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة، ففي حين تقول إدارة بوش بأن قرار الولايات المتحدة غزو العراق قد بث الرعب في قلب القذافي فخاف أن يلاقي المصير ذاته الذي لاقاه صدام حسين إذا ما احتفظ بأسلحة الدمار الشامل، يرى آخرون أن تقدم برامج أسلحة الدمار الشامل الليبية كان ضعيفاً، وبالتالي فإن الثمار التي ستجنيها ليبيا بتخلصها منها تفوق خسارة استمرار العمل فيها. ومن ثم فقد قاد تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل إلى رفع العقوبات المفروضة على ليبيا، وإعادة فتح مقار البعثات الدبلوماسية في كل من البلدين.

مستقبل العلاقات بين البلدين
السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل يمكن أن تعود العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا بشكل كامل أم أن هناك سقفاً للعلاقات لا يمكن خرقه؟ أحد المؤشرات التي قد تكون مفتاحاً للإجابة عن هذا السؤال هو: هل يتم رفع اسم ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أم لا؟ ذلك أن استمرار وجود اسم ليبيا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب يحول دون تقديم الولايات المتحدة مساعدات لها، ودون الدعم الأمريكي لها في الحصول على قروض دولية، على الرغم من أن امتلاك ليبيا قطاع طاقة ضخماً قد يمنعها من الحصول على مثل هذه المساعدة حتى لو لم تكن هناك عقوبات. ومع ذلك، فإن محو اسم ليبيا من القائمة سيزيل آخر العقبات أمام التطبيع الكامل مع الولايات المتحدة. الجدير بالذكر أنه بعد قيام ليبيا بتفكيك وتسليم أسلحة الدمار الشامل إلى السلطات الأمريكية في عامي 2003-2004، كان هناك تفاؤل بقرب إزالة اسم ليبيا من قائمة الإرهاب. غير أن هناك قضية معلقة واحدة وقفت حجر عثرة أمام إحراز تقدم في هذا الاتجاه، وهي رفض ليبيا الكشف عن التفاصيل الكاملة لما تردد عن دورها في مؤامرة اغتيال الأمير عبد الله ولي عهد (الملك الآن) المملكة العربية السعودية عام 2003. 

إلا أنه تم اتخاذ خطوة رئيسة لحل هذه المشكلة المعلقة في 8 أغسطس/آب 2005، عندما أصدر الملك عبد الله، فور توليه الحكم بالمملكة، عفواً عن المشتبه بتورطهم في تلك المؤامرة. والآن، يبدو أن العقبة الوحيدة أمام إزالة اسم ليبيا من تلك القائمة هي علاقاتها بالمنظمات الفلسطينية المسلحة، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، التي يتزعمها أحمد جبريل، وهي العلاقات التي لا زالت قائمة رغم تصريحات القذافي في السنوات الأخيرة التي تشير إلى مساندته التوصل إلى تسوية فلسطينية – إسرائيلية. وهناك مخاوف لدى الولايات المتحدة أيضاً بشأن مساندة ليبيا للفصائل المسلحة في إفريقيا، مثل الجبهة الثورية الموحدة لسيراليون، والجبهة الوطنية القومية بقيادة الزعيم الليبيري المنفي تشارلز تايلور.

وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين في الولايات المتحدة يعتقدون أن ليبيا غدت مؤهلة الآن لرفع اسمها من قائمة الإرهاب، فإن إدارة بوش ستأخذ بالتأكيد في اعتبارها عوامل أبعد من تلك المتعلقة بالإرهاب. وفي حين أن الأمم المتحدة وإدارة بوش وأهالي ضحايا رحلة بان أم (PAN-AM) قد يقتنعون بأن ليبيا عوقبت بما فيه الكفاية على تفجير الطائرة، فإن من المحتمل أن تظل صورة القذافي ونظامه مقترنة في ذهن الشعب الأمريكي بالإرهاب. فطالما بقي القذافي على رأس السلطة في ليبيا، فسيصعب من الناحية السياسية على أي إدارة أن تقول للشعب الأمريكي إن ليبيا لم تعد دولة راعية للإرهاب. ولا ننسى أن إزالة اسم ليبيا من تلك القائمة يخضع لموافقة الكونجرس، الذي أشار العديد من أعضائه إلى أنه لا ينبغي مسامحة ليبيا أبداً بسبب تفجير رحلة رحلة بان أم، بغض النظر عن مساعدتها للولايات المتحدة بفضل موقفها "الجديد" أو "المعدل" فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، وتنظيم القاعدة، وحقوق الإنسان، والإصلاح السياسي الداخلي، والاستقرار الإفريقي، وغيرها من القضايا الرئيسة الأخرى.

وعلى الرغم من رمزية إزالة اسم ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي الخطوة التي ستكمل عملية "إعادة تأهيل" القذافي في أعين الولايات المتحدة، فإن من المحتمل أن تأخذ الإدارة الأمريكية في الحسبان عدداً من الاعتبارات الأخرى. فعلى سبيل المثال، هناك بعض المسؤولين الأمريكيين الذين يعتقدون أن رفع اسم ليبيا من تلك القائمة سيعزز جهود سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي، الرامية إلى تشجيع الإصلاح الداخلي من خلال "مؤسسة القذافي" التابعة لسيف الإسلام. على الجانب الآخر، هناك من يعتقدون أن إزالة اسم ليبيا من تلك القائمة قد يظهر للدول الأخرى الراعية للإرهاب أنه بإمكانها تحقيق النتيجة ذاتها أيضاً إذا عدلت من سلوكها على الساحة الدولية ولزمت جانب الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن إزالة ليبيا من قائمة الإرهاب، طبقاً لوجهة النظر هذه، من شأنه أن يساهم في مواجهة الإرهاب بشكل أوسع.

بغض النظر عما إذا تم إزالة اسم ليبيا من قائمة الإرهاب أم لا، وعلى الرغم من إمكانية إزالته للأسباب التي سبق ذكرها، فهناك شكوك في أن تصبح ليبيا حليفاً معترفاً به علنياً في ظل بقاء القذافي في الحكم. لأن وجوده يُذكِّر الأمريكيين دوماً بأحداث الإرهاب التي حفل بها سجل ليبيا السابق، كما أنه من غير المتوقع أن يتم الترحيب رسمياً بالقذافي في الولايات المتحدة. وإذا ما شعر القذافي بإحباط بسبب عدم قدرته تحقيق أهلية كاملة في نظر الحكومة أو الشعب الأمريكي فمن المحتمل أن ينضم الزعيم المتقلب، مرة أخرى، إلى صف القوى الأكثر تشدداً في العالم الإسلامي مثل سوريا و/أو إيران. بيد أن هناك حدوداً لما يمكن أن تحققه مثل هذه الخطوة في ظل العزلة التي ضربت على سوريا بعد اغتيال الحريري، والانتقادات المتزايدة الموجهة لإيران بسبب برنامجها النووي، وتراجع القوى القومية العلمانية في العالم العربي لصالح حركات إسلامية أصولية كتنظيم القاعدة، وفصائله الفرعية مثل تلك التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي. لذا تعتبر تلك الحركات الإسلامية تهديداً للقذافي وليست رصيداً له.

Share