ليبيا: تحديات بناء الدولة الجديدة

  • 8 أبريل 2012

كان يوم 25 ديسمبر الفائت موعداً لتسليم الميليشيات الليبية أسلحتها إلى الحكومة الليبية الجديدة بهدف وضع حد لفوضى انتشار السلاح بعد سقوط نظام القذافي. لكن قرار الحكومة الليبية ووزير دفاعها أسامة الجويلي بقي حبراً على ورق. بل إن ما شهده الشهران الماضيان من اشتباكات بين الميليشيات المسلحة في أكثر من منطقة ليبية، وعدد القتلى المرتفع الذي وقع من جراء ذلك، أكَّدا مخاوف معظم المتابعين للشأن الليبي من أن تكون المرحلة الانتقالية طويلة وغير سهلة، وأن ما خلَّفته تركة أربعة عقود من حكم "الجماهيرية العظمى" البائدة لن تمحوه شهور من حكم الثورة الوليدة.

ليس تحدياً بسيطاً أن يحمل نحو 125 ألف ليبي السلاح في فوضى غير مسبوقة، تحركهم نزعات جهوية وسياسية متفاوتة ومتناقضة، ويتغذون من عصبيات دفينة وأخرى عزّزها نظام القذافي وتجربة دموية في إطاحة هذا النظام، فضلاً عن تراجع الثقة في المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الجديدة.

تحتاج ليبيا إلى إعادة بناء من نقطة الصفر. فالضرر الذي أحدثته "ثورة الفاتح" واللجان الثورية التي شكلها القذافي عميم. ويمكن تشبيهه بأنه نوع من الدمار الشامل الذي لحق بكل مقومات الدولة الليبية، من بنى بشرية واقتصادية وسياسية إلى وحدة النسيج الوطني. لذلك ليس غريباً أن الثورة، التي أسَّست مجلسها الوطني الانتقالي بيُسر لقيادة حركة الاحتجاجات الشعبية المنادية بإسقاط نظام القذافي وتنسيقها، وتمكنت من حشد دعم مختلف القوى الإقليمية والدولية، وانتصرت على طاغية مستبد، تبدو عاجزة عن الانطلاق الفعلي في رحلة إعادة البناء، رغم تذليلها كماً كبيراً من العقبات، ورغم الإرادة الصادقة لدى المجلس الانتقالي والحكومة في تحمّل مسؤولية قيادة البلاد إلى مرحلة جديدة من التطور والنهضة والتنمية الشاملة.

ليست التحديات التي تواجه بناء الدولة الليبية اليوم سوى المهمات الكبرى التي يتوجب على ليبيا الجديدة القيام بها، ووضعها في قمة أولوياتها. ومع التسليم بأن كل قطاع في البلاد يحتاج إلى إعادة بناء، فإن كل ذلك يمكن أن يوضع تحت عنوانين رئيسيين، هما: البناء السياسي، والبناء الاقتصادي– البشري.

تبدو مهمة إجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام (الجمعية التأسيسية) في شهر يونيو/ حزيران القادم استحقاقاً ضرورياً ومهماً يتوجب على الحكومة إنجازه والوصول به إلى شاطئ الأمان. فهذه الانتخابات ستؤمن شرعية شعبية للمؤتمر، الذي سيتولى مهمة التشريع وتشكيل حكومة مؤقتة في مدة لا تتجاوز الثلاثين يوماً من أول اجتماع له، تتولى إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية، وإعداد دستور جديد للبلاد التي عانت خلال النظام السابق من القوانين المستمدة من "الكتاب الأخضر" والتشريع غير المستقر والمغامرات غير المحسوبة. لكن يبدو أن هذه المهمة ستصطدم بعقبات جوهرية، منها العلاقات الجهوية بين شرق ليبيا وغربها، والعلاقات بين الحضر والبدو، وتلك التي بين القبائل المختلفة، والتي تجسدت على أخطر ما يكون في مطالبة إقليم برقة، أي المنطقة الشرقية، بحكم فيدرالي في إطار الوحدة. أما أسوأ تعبير عن ذلك فتمثل في الاشتباكات المتتالية بين المناطق والقبائل في الوسط والغرب، وفي طرابلس العاصمة نفسها، والنفوذ المتصاعد للميليشيات المسلحة، ولاسيما مدينتي الزنتان ومصراتة، اللتين اعتبرتا أنهما دفعتا أبهظ الأثمان لتحرير البلاد.

هذا التفكك الظاهر في النسيج الوطني، لا تشفع له على ما يبدو، تركيبة الشعب الليبي الدينية والإثنية المتجانسة. فهذا النسيج الاجتماعي المتماسك تضرر بشدة من سياسات القذافي الذي قلَّب على مدى سنوات حكمه القبائل بعضها ضد بعض، وقدَّم غير المستحقين على المستحقين، واستتبع النخب أو هجّرها خارج البلاد، وأثار العصبيات في كل اتجاه، وأسّس حالة من المشاعر العنصرية الممزوجة بأبشع أنواع الاستقواء.

هذه المعضلة تتطلب من دون شك صوغ عقد اجتماعي جديد يأخذ في الاعتبار العلاقات المتهتكة بين مكونات الشعب الليبي، وإمكان معالجتها بلامركزية اقتصادية موسعة تعزز المركزية السياسية والأمنية للنظام السياسي.

بيد أن المعضلة الملحة التي تعاني منها ليبيا اليوم تتمثل في كيفية البدء بورشة سياسية لإصلاح النظام وإعادة بناء البلاد في ظل انتشار السلاح؟ فهذه المشكلة مركبة؛ إذ لا تكفي الدعوة إلى جمع السلاح ودمج الميليشيات في المؤسسات الأمنية، فقضية السلاح لم تعد مسألة تقنية تعالج بإنهاء الفوضى، بل مسألة سياسية أيضاً ترتبط بشكل النظام السياسي والحصص التي تتوقع القوى الفاعلة في السياسة والميدان الحصول عليها.

من أجل ذلك، لا بدَّ أن تتزامن عملية جمع السلاح مع وضع التصورات السياسية للمرحلة المقبلة. وبالتالي فإن انتشار السلاح وبقاءه يجب ألا يحولا دون إجراء انتخابات المؤتمر الوطني كخطوة أولى أساسية للمباشرة بالعملية السياسية والأمنية من كل اتجاه.

في موازاة عمليتي البناء السياسي والبناء الأمني– العسكري، هناك عملية توازيهما في الأهمية، إن لم تكن تفوقهما أهمية، وهي إعادة بناء الاقتصاد. وإذا كان أمراً مفروغاً منه ضرورة الإسراع بإصلاح الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية من خلال إعادة بناء ما تهدم منها، أو إقامة بنى جديدة تماماً في مجالات الطرق والنقل وقطاع النفط والتعليم والقطاع المصرفي وسائر القطاعات الحيوية الأخرى، مع ما يرافق ذلك من جهود لصوغ قوانين جديدة وتشريعات مستقرة، فإن الحاجة تبدو ملحة لصوغ استراتيجية تنموية شاملة تطرح أسئلة جوهرية عن مخاطر استمرار الاعتماد الكلي على القطاع النفطي الذي يشكل 95% من صادرات البلاد و90% من إيراداتها. فليبيا تحتاج إلى تنويع مصادر دخلها، وعدم الاقتصار على الدخل النفطي الذي جعل الاتّكال على الدولة وسيلة عيش لدى الليبيين طوال عهد القذافي. وليس بخاف أن البلاد تختزن طاقات كبيرة غير مستغلة، في مجالات الإنتاج الزراعي، والصناعات التحويلية الممكنة، والسياحة الأثرية والتاريخية الممكنة التطوير بكل تأكيد.

تقدر تكلفة إعادة إعمار ليبيا بــ 200 مليار دولار. ويرى كثيرون أن سقوط القذافي يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد الليبي والإنسان الليبي والدولة الليبية. حتى الآن قام المجلس الانتقالي بجهد كبير رغم أن النتائج لا تزال متواضعة. لكن ورش العمل قائمة، والدولة الليبية تملك المال لإبرام عقود ضخمة لمشروعات التطوير والتحديث وإعادة البناء. وهي استطاعت الإفراج عن نحو 100 مليار دولار من أموال الشعب الليبي المجمدة، كما أن هيئة الاستثمار الليبية لديها نحو 65 ملياراً أخرى في الخارج. وهذه المبالغ الكبيرة، إضافة إلى عائدات النفط التي بدأت تتراكم، قادرة على النهوض مجدداً بالبلاد.

تُعتَبَر ليبيا دولة محظوظة في هذا السياق. فهي لا تحتاج إلى مساعدات مالية ولا إلى شروط البنك الدولي. تحتاج فقط إلى جهد داخلي كبير، المدخل إليه عودة الثقة بين مكوناتها البشرية، والاقتناع بضرورة إعطاء الدولة فرصة إعادة بناء المؤسسات والوحدة الوطنية على قاعدة الواقعية والعدالة والديمقراطية، والتعلم من درس العقود الأربعة الماضية.

Share