ليبيا: المهمة الأصعب إعادة بناء الدولة

  • 12 يونيو 2011

عندما قال معمر القذافي أخيراً إنه سيبقى في بلاده "حياً أو ميتاً" فإنه، على عكس توقعاته، لم يعط أي أمل للمواطنين الذين ما زالوا في المناطق الخاضعة لسيطرته، ولا حتى لأركان النظام أو لمن تبقى منهم إلى جانبه. لكنه كان على الأرجح يستبق أي عرض قد يأتي به المبعوث الرئاسي الروسي ميخائيل مرغيلوف بعد محادثاته في ذلك اليوم (7/6/2011) مع قيادة المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي، معقل المعارضة، ويطلب منه الرحيل.

قبل أسابيع كان الزعيم الليبي نفسه أرسل موفدين إلى موسكو، وطلب أن تتوسط مع المعارضة والدول الغربية لترتيب وقف لإطلاق النار، يعقبه تفاوض على "حل سياسي". وعرض الموفدون تصوراً يحاول تلبية بعض شروط حلف الأطلسي لوقف النار، ويطرح عناوين عامة للحل السياسي. في خطوة أولى درس الرئيس الروسي العرض القذافي مع القادة في قمة الدول الثماني في دوفيل (فرنسا)، لكنه فهم منهم أين أصبحت فعلاً حقيقة وضع النظام الليبي. وفي الوقت نفسه كانت المعارضة شرحت الأسباب التي تدعوها الى رفض أي تفاوض مع النظام. لذلك لم يتردد الرئيس ديمتري ميدفيديف في التصريح بأن القذافي فقد "شرعية" البقاء في الحكم. وعنى ذلك أن روسيا نالت إرضاءات في ملفات أخرى عالقة بينها وبين الولايات المتحدة ودول أوروبا، وإن لم تكن كافية لتغيير موقفها من قضايا أخرى، ومنها الوضع في سورية على سبيل المثال.

لم تكن هذه المحاولة الأولى للقذافي، إذ سبق أن راهن على مسعى للاتحاد الأفريقي إلا أنه تعامل بشيء من الاستعلاء مع وفد الرؤساء الخمسة برئاسة رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما، وكان الوضع العسكري وقتذاك يميل إلى مصلحته، ولذلك وافق على وقف إطلاق النار، وعلى الإعلان عن رزمة إصلاحات تدعى المعارضة للتعامل معها. ورفض هذا العرض كما هو معلوم. وعندما عاد "زوما" وحده بعد أسابيع كان الوضع العسكري قد تغيّر، فأبلغه أنه يحمل تحذيراً أخيراً من الـ "ناتو" بوجوب أن يرضخ للأمر الواقع، ويقرر الرحيل قبل أن تبدأ الحملة العسكرية باستخدام طائرات أكثر فاعلية ضد قواته. لكن القذافي رفض التحذير الذي لم يكن مرفقاً بأي وعود أو ضمانات تتعلق بـ "ما بعد" رحيله، علماً بأنه يقاوم فكرة الرحيل أساساً.

في أي حال لم يعد القذافي في وضع يؤهله للتفاوض على افتراض أن المعارضة قبلت بذلك. فمنذ الأسبوع الأخير من نيسان (أبريل) خسر التأثير في مجرى الأحداث؛ إذ لم تتمكن قواته من حسم سيطرتها على مصراته فانسحبت، واشتد القصف على مقاره داخل طرابلس، ودُمرت معظم أسلحته، وبدأت بوادر التمرد على سيطرته في مناطق الغرب بفعل تقدم الجانب السري من الحملة الأطلسية الذي استطاع إيصال أسلحة وخبراء عسكريين إلى تلك المناطق، فيما زادت انشقاقات العسكريين والمسؤولن المدنيين، وأخيراً باتت العاصمة نفسها فيما يشبه الفوضى والانفلات، فتجرأت أعداد من المواطنين على الخروج في تظاهرات محدودة لكنها معبرة عن انتظار التلاحم مع الثوار الآخرين. ومع تأكد سيطرة الثوار على الزنتان ويفرن وعدد من مناطق الجبل الغربي وردت أنباء تفيد بأن قوات القذافي تقوم باستعدادات وقائية خاصة لصدّ أي زحف متوقع على طرابلس؛ لأن هذا "الزحف" بات الخطوة التالية المتوقعة.

كان حلف الأطلسي مدد لمهمته في ليبيا حتى نهاية أيلول (سبتمبر) المقبل، لكن تسارع الأحداث ينبىء بأن النظام الليبي قد لا يصمد حتى هذا الموعد، إذ لم يعد لمعاندة النظام أي مغزى، فهو لا يملك قدرة عسكرية لاستعادة زمام المبادرة، ولا يملك خطة لإعادة خلط الأوراق أو لاكتساب شيء من المصداقية السياسية. ويبدو أن كل خياراته ظلّت متاحة حتى بعد صدور القرار 1973 لو حسم أمره بالنسبة إلى التغيير، وكان بين الأفكار المطروحة أن يغادر إلى أي منفى بعد أن ينقل سلطاته وصلاحياته إلى نجله سيف الاسلام كمبادرة لإحراج المعارضة وحفزها على التفاوض. والواقع أن أوساط المعارضة خشيت مثل هذه الخطوة خصوصاً أن الولايات المتحدة ودولاً أوروبية عدة كانت تميل إلى حل سريع بسبب الخلافات الكثيرة فيما بينها، لكن القذافي أساء قراءة الإشارات التي وصلته، أو اعتقد أن باستطاعته إجراء مساومات لتعديل الشروط المطلوبة، أو أنه على الأرجح رفض تلك الشروط، خصوصاً أنه في تلك الفترة المبكرة لم يكن قد استشعر تأثير العقوبات الدولية، ولم يبالِ بما يمكن أن يعنيه ما يصدر عن المحكمة الجنائية الدولية بحقّه وحق أركان نظامه.

ومع انعقاد الاجتماع الرابع لمجموعة الاتصال الدولية الخاصة بليبيا في أبوظبي ظهر بوضوح الاتجاه التصاعدي في العمل على تأهيل المعارضة لتسلم السلطة. فمن بدايات الاعتراف بالمجلس الانتقالي (اجتماع لندن) إلى خطط التمويل والتسليح (اجتماع الدوحة) إلى تفعيل تلك الخطط والبدء بالتحضير لمرحلة ما بعد القذافي (روما)، تميّز اجتماع أبوظبي خصوصاً بانطباع عام هو أن النظام لم يعد متماسكاً داخلياً وأنه على وشك السقوط، وبالتالي تتوجب مراجعة الخطط الانتقالية لتسريع جهوزية المعارضة، خصوصاً أن القذافي قد يُقدم على ارتكاب جرائم غير متصورة حين يشعر بأن النهاية قد دنت من دون أن تكون لديه أي ضمانات له ولعائلته بشأن منفى آمن لا يتعرض فيه للملاحقة القانونية.

عندما شرع النظام بمحاولاته لتسويق حل سياسي متفاوض عليه كان قد بدأ متأخراً جداً. قبل ذلك أرسل قواته ومرتزقته لقتل مواطنيه ثم خرج نجله سيف الإسلام مهدداً، وتلاه الأب نفسه متوعداً، ثم أطلق طائراته تقصف المدنيين، وبعدما حُظر عليه استخدام السلاح الجوي دفع بالدبابات، وحيثما تمكنت قواته من السيطرة ارتكبت مجازر، بل وثّقت ضدها حالات اغتصاب جماعي، ولم يرد ذكر "التفاوض" إلا بعدما ارتسم ما اعتبره القذافي خطاً لـ "التقسيم" بين مناطق الشرق والغرب مع أفضلية في الوصول الى مناطق النفط في الوسط لـ "دولة الغرب" المفترضة. وفي ذلك الوقت كان التفاوض يعني بقاء النظام مع إمكان تعديله لاستيعاب المعارضة وإجراء بعض الإصلاحات. لكن جوهر المشكلة كان دائماً، قبل "ثورة الـ 20 من فبراير" وبعدها، هو تركيبة هذا النظام القائم على حكم الفرد وعدم السعي إلى بناء دولة مؤسسات.

لذلك لم يكن خيار التفاوض ليعني شيئاً بالنسبة إلى المعارضة التي تتطلع، بحسب برنامجها، إلى بناء دولة مدنية بكل ما يعنيه ذلك من إشراك لمختلف قطاعات الشعب وإتاحة انتخابات حرة وتمثيل سويّ وتنمية تستند إلى الحاجات الحقيقية للمناطق لا إلى "رؤى" الزعيم الأوحد. وللأسف فإن هذه المهمة تعني بوضوح إعادة تأسيس الدولة من نقطة الصفر تقريباً، فرغم أن أطراف المعارضة لا تمانع العمل مستقبلاً مع وجوه أو مؤسسات (النفط، مثلاً) من النظام الحالي إلا أن غالبية البنى الأخرى (خصوصاً الجيش والأمن) تتطلب إعادة بناء وفقاً لمفاهيم الدولة الجديدة.

مشكلة الأنظمة الاستبدادية أنها بنت طوال عقود من الزمن ما اعتقدته "دولة"، لكنها كانت في الواقع مجرد "سلطة" تخدم تأبيد الزعيم في منصبه، وتسهر على القمع المنهجي للشعب. وحين قامت الاحتجاجات الشعبية كان القمع قد فقد فاعليته وانهارت السلطة ومعها النظام، وبالتالي وجد "أبناء الثورات" أنفسهم أمام المهمة الصعبة.

Share