لماذا يجب على الاتحاد الأوروبي الفوز في اختبار وباء كورونا؟

  • 13 مايو 2020

يقول فريدريك كيمبي، الرئيس والمدير التنفيذي للمجلس الأطلسي، في مقاله المنشور في مركز «المجلس الأطلسي» إنه في الذكرى السبعين لتأسيس الاتحاد الأوروبي، التي تصادف هذا الأسبوع، فإن المشروع الأوروبي الذي بدأ لإنهاء قرون من الحرب أصبح في صراع وجودي مع مرض خطير لا يعرف حدوداً.

 

فاز فيروس كورونا في الجولات الافتتاحية، متحدياً التضامن الاقتصادي والقضية السياسية المشتركة وثقة الجمهور التي يعتمد عليها مستقبل الاتحاد الأوروبي. ويعتبر بعضهم أن القرار التاريخي الذي أصدرته المحكمة الدستورية في ألمانيا هذا الأسبوع، الذي يلقي بظلال من الشك على سلطة البنك المركزي الأوروبي في شراء سندات القطاع العام الألماني، هو بمثابة مسمار آخر في نعش الاتحاد الأوروبي بعد مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد.

وكما هو الحال دائماً في مسائل الاتحاد الأوروبي، فإن الحقيقة أكثر تعقيداً. ولا يزال الاتحاد الأوروبي يمثل قوة اقتصادية هائلة تُمثل 22% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2018. ومع أن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي قد انخفض إلى نحو 18.5% بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الاتحاد لا يزال يحتفظ بدوره كقوة تنظيمية عظمى في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، حافظت دول الاتحاد الأوروبي، من خلال مجموعة من الخطط المدعومة من الحكومة، على معدل بطالة منخفض في أثناء انتشار فيروس كورونا التي بلغت نحو 6.6% في مارس الماضي، وهي نسبة أقل بكثير من نسبة البطالة في الولايات المتحدة؛ التي بلغت 14.7%، ولا تزال في ازدياد. والتهديد الحقيقي الذي يمثله فيروس كورونا ضد الاتحاد الأوروبي لا يتمثل في احتمال انهيار الاتحاد الاوروبي الوشيك، بل يتمثل خطر الفيروس في تبديد ثقة الجمهور بشكل خطير وذلك فيما يتعلق بقيمة الاتحاد الأوروبي والإضرار بقدرته على التصرف بشكل متماسك، حيث إن علاقة الاتحاد الأوروبي بمواطنيه وبالعالم قد تتعرض لضربة هائلة.

ولا يدرك الأوروبيون والأمريكيون، بشكل كافٍ، الأخطار العالمية المترتبة على ضعف الاتحاد الأوروبي. فمع اشتداد المنافسة القوية على السلطة بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب الصراع المستمر بين أشكال الحكم الاستبدادية والديمقراطيات في العالم، فإن الطريقة التي سيخرج فيها الاتحاد الأوروبي من تحديات فيروس كورونا قد تكون ذات أهمية حاسمة للديمقراطيات العالمية.

ومع أن فيروس كورونا ينتشر على مستوى العالم أجمع، فإن انتشار الفيروس هو الشغل الشاغل بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي الذي عمل بعد تأسيسه، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى إحداث التقارب بين دول الاتحاد الأوروبي وأنهى الصراع بينها ووسع الديمقراطية وأسهم في انهيار الشيوعية السوفيتية. وقد أدى توسيع الاتحاد الأوروبي بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي من تعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي كأحد أعظم القوى الديمقراطية في التاريخ، وكذلك كواحد من أعظم إنجازات السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.

وصادفت التاسع من الشهر الجاري الذكرى السبعون لإعلان شومان في 9 مايو 1950، وذلك عندما اقترح وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان وضع إنتاج فرنسا وألمانيا الغربية للفحم والصلب تحت سلطة عليا مشتركة، وفتح الباب أمام مشاركة دول أوروبا الغربية الأخرى.

وتضمن إعلان شومان لغة متواضعة وطموحاً استثنائياً لتهدئة قارة أنتجت حربين عالميتين، حيث قال: «لن نتمكن من صنع أوروبا كلها دفعة واحدة، أو وفق خطة واحدة. سيتم بناؤها من خلال إنجازات ملموسة تُنشئ أولاً تضامناً فعلاً. فالتقاء دول أوروبا يتطلب القضاء على المعارضة القديمة لفرنسا وألمانيا».

وقد كانت مفارقة قاسية أن تصدر المحكمة الدستورية الألمانية قراراً يشكل تحدياً أساسياً جديداً للاتحاد الأوروبي، وذلك خلال أسبوع الذكرى السنوية لتأسيسه. القنبلة الزمنية الموقوتة التي تسببت بها المحكمة هي أن المحكمة الدستورية طلبت من البنك المركزي الألماني، وهو البنك المركزي الأكثر أهمية للعمليات النقدية في منطقة اليورو، التوقف عن شراء أي سندات أخرى في غضون ثلاثة أشهر في حال عدم امتثال البنك المركزي الأوروبي.

وفي المقابل، صعّدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، والتي كانت تعمل محامية في السابق، لهجة التحدي، وصرحت لوكالة «بلومبيرغ» في ندوة عبر الإنترنت قائلة: «نحن مؤسسة مستقلة ومسؤولة أمام البرلمان الأوروبي ولدينا سلطتنا الخاصة بنا. سوف نواصل القيام بكل ما هو مطلوب وكل ما هو ضروري لتنفيذ هذه الولاية، ولن يردعنا شيء».

ومع ذلك، فإن تفاصيل قرار المحكمة الألمانية ليست مهمة بقدر الإشارة التي أرسلتها إلى دول أوروبية أخرى تتطلع إلى تحدي سلطة مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا القرار في ظل الشعور السائد في عدد من الدول الأوروبية وبشكل خاص في إيطاليا وإسبانيا، بعدم وجود تضامن أوروبي كافٍ في مكافحة جائحة فيروس كورونا.

وذكرت المفوضية الأوروبية خلال هذا الأسبوع ضمن توقعاتها الربيعية أن الركود الاقتصادي الناجم عن الوباء يمكن أن يهدد في نهاية المطاف الاستقرار الاقتصادي والنقدي للاتحاد الأوروبي. وأشارت المفوضية إلى التشوهات الشديدة داخل السوق الموحدة وإلى الاختلافات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الراسخة بين الدول الأعضاء في منطقة اليورو باعتبارها مخاطر أساسية. وهذه التشوهات بدورها يمكن أن تفاقم من فجوات النمو بين الدول الأوروبية والتي ستؤدي إلى المزيد من التوترات. وتوقعت المفوضية انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 9% في عام 2020 لليونان وإيطاليا وإسبانيا، بينما ستعاني ألمانيا بشكل أقل، مع انخفاض نمو ناتجها المحلي بنسبة 6.5%.

وعلى الرغم من بطء تحرك الاتحاد الأوروبي، فإن هذا الأسبوع جلب أنباء مشجعـة عن زخـم جديد، بما في ذلك ما وصفتـه «الإيكونوميست» بالظهور المرحب به للنقاش الأوروبي الحقيقي. وأكد الاتحاد الأوروبي تعهداً قيمته 3.3 مليار دولار من المساعدات لدول غرب البلقان من أجل مكافحة الوباء، في وقت كانت هناك مخاوف تتزايد من أن العديد من الدول الأوروبية كانت تتوافق بشكل وثيق مع مواقف روسيا والصين الحازمة والسخية بشكل متزايد.

وجاءت هذه الخطوة بعد قمة افتراضية بين الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان، حيث قال قادة الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي أن هذا الدعم والتعاون يتجاوز بكثير ما قدمه أي شريك آخر للمنطقة ويستحق التقدير العام. وما لا تستطيع الصين تقديمه لدول غرب البلقان هو احتمال عضوية الاتحاد الأوروبي، وهذا ما فعلته بروكسل في مارس الماضي لألبانيا ومقدونيا الشمالية. ويمكن أن تبدأ محادثات الانضمام في غضون عام. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لين، إن الطريق أمامنا سيكون طويلاً بالنسبة إليهما وإلى أربع دول أخرى طموحة في غرب البلقان، وكلها «تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي».

ويوم الاثنين الماضي، تمكنت حملة جمع الأموال التي يقودها الاتحاد الأوروبي لجمع مبالغ لتمويل عملية تطوير لقاحات وعلاجات وتشخيص لفيروس كورونا من جمع حوالي 7.5 مليار يورو، بما في ذلك 1.4 مليار دولار مقدمة من الاتحاد الأوروبي. وهي الحملة التي بدأها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حذر من أن الاتحاد الأوروبي يواجه «لحظة الحقيقة» لمشروعه السياسي، وقام بالتبرع بمبلغ 500 مليون يورو.

لم يفت الأوان بعد على الاتحاد الأوروبي لإظهار مرونته وأهميته في وقت الأزمة هذه. وفي الذكرى السبعين لإنشاء الاتحاد الأوروبي، من المهم أيضاً تذكّر الاهتمام العالمي المشترك وعبر الأطلسي بالاستقرار والنجاح الأوروبيين.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات