لماذا لم ننتصر في الحرب على الإرهاب؟

د. باسكال بونيفاس: لماذا لم ننتصر في الحرب على الإرهاب؟

  • 30 يوليو 2005

ما زلنا في مواجهة دائمة مع الخطر الإرهابي الذي لن يتم إبعاده بالسرعة المطلوبة. ومن ثم بات التحرك أمراً حتمياً، ولكن من دون اتخاذ مبادرات من شأنها أن تزيد الطين بلة في الوقت ذاته.

إن الكثير من الغربيين يتساءلون:"هل نحن مستهدفون بسبب ما نحن عليه، أم بسبب ما نقوم به من تصرفات؟". فالبعض منهم يؤيد الفكرة الأولى (لاسيما أولئك الذين أيدوا الحرب ضد العراق)، والبعض الآخر يؤيد الفكرة الثانية. وفي واقع الأمر، ليست هاتان الإجابتان صحيحتين في مجملهما ولا مخطئتين كلية في الوقت نفسه.

صحيح أن الإرهابيين يضمرون الحقد حيال المجتمعات الديمقراطية الغربية. ولذلك فهم يستهدفوننا بسبب ما نحن عليه. وأفضل رد على ذلك هو التمسك بما نحن عليه، لأن التضحية بالديمقراطية وقاعدة القانون باسم محاربة الإرهاب هو من قبيل تكريس انتصارهم.

ولكن ما قمنا به من تصرفات هو أيضاً سبب له أهميته. فحرب العراق لم تكن سبباً في ظهور الإرهاب، ولكنها عمدت إلى تطويره، مؤدية إلى ترسيخ فكرة أن العالم الغربي يعتدي على العالم الإسلامي. فجاءت هذه الحرب، التي تم شنها باسم محاربة الإرهاب، لتغذي هذه الفكرة بالذات.

لقد كانت هذه الحقيقة موجودة حتى قبل الهجمات التي تعرضت لها لندن. ألم يقل صمويل هنتنجتون في شهر يناير/كانون الثاني 2005: "لقد عاش المسلمون اجتياح العراق على أنه حرب ضد الإسلام. وكان من المنطقي أن يفرز تصرف الولايات المتحدة على هذا النحو إرهاباً أكثر فأكثر … لقد تم إقحامنا اليوم بكل وضوح في حرب دينية يتحمل مسؤوليتها كل من ابن لادن وجورج بوش".

وفي شهر يونيو/حزيران 2005، أوضحت الاستخبارات الأمريكية أن العراق أصبح معسكر تدريب للإسلاميين المتطرفين أكثر فاعلية من أفغانستان. ومع ذلك، يقول الرئيس جورج بوش في الوقت نفسه: "لقد بدأت سياستنا تحرز نجاحاً في العراق، وسنتمكن من إنجاز مهمتنا لتحقيق السلام العالمي".

ولا داعي للتذكير بأن بوش برر الحرب على العراق كثيراً بقوله إنه "يتعين محاربة الإرهابيين هناك أفضل من أن يعمدوا هم إلى مهاجمة العالم الغربي". كما حرص مسؤولون بريطانيون على نفي وجود أي علاقة بين حرب العراق والهجمات التي تعرضت لها لندن في يوليو/تموز 2005، رغم أن المعهد الملكي للشؤون الخارجية قام أخيراً بنشر دراسة أفادت أن حرب العراق "زادت فاعلية الدعاية والتجنيد وجمع الأموال لصالح شبكة القاعدة".

لقد شهدت الآونة الأخيرة تصعيداً وخلطاً في آن واحد بين ما يمكن اعتباره "تبرير الإرهاب" وبعض المواقف السياسية الموضوعية الأخرى، إذ قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في تصريحات صحفية: "لم يعد هناك مجال لإيجاد أي أعذار للإرهابيين". ونلاحظ في هذا المقام تحديداً التفكير الذي يبلغ حدود الإرهاب الفكري بذاته.

فهل يمكننا القول إن كل من كان قلقاً بشأن الطريقة التي تدار بها الحرب ضد الإرهاب يبحث عن أعذار للإرهاب؟ ليس الأمر كذلك، وإنما كل ما يريده هو فهم الوضع حتى يتسنى التوصل إلى الوسائل التي تسمح بمحاربة الإرهاب بطريقة أفضل.

لا يمكننا، في أي حال من الأحوال، الموافقة على الفكرة التي مفادها أن"الذي ليس معنا فهو مع الإرهابيين". فخطر ذلك يتمثل في الوقوع في دوامة تقوم على تعزيز سياسة تتغذى من إخفاقها ذاته. فإذا كان مسكن جارك يحترق، لا يتعين التوقف عند الاختلافات القائمة بين الجيران عادة، وتوجيه الانتقادات حيال تصرفاته، ولكن المساعدة لا تعني في الوقت نفسه أن تبدل قناعاتك وتتبنى مواقف لم تكن لتتبناها من قبل. فالتعاون على مستوى الشرطة والقضاء وأجهزة الاستخبارات أمر لا يختلف فيه اثنان، ولكن تبني السياسة الأمريكية-البريطانية في محاربة الإرهاب، في الوقت الذي تحمل فيه بوادر الإخفاق في طياتها، أمر يستدعي دراسة ممحصة.

فمن المستبعد رؤية أولئك الذين كانوا يخشون من أن تعمل حرب العراق على تطوير الإرهاب ينضمون إلى حرب لا نهاية لها وتدار باستراتيجية غير سليمة، لاسيما وأن الانتصار في تلك الحرب أصبح أفقاً يتباعد كلما حاولنا الاقتراب منه. ولذلك، لا ينبغي ترك رجال الإطفاء المصابين بهوس الإحراق يحددون سياسة الوقاية من الحرائق.

إذا كان علينا ألا نغير ما نحن عليه، فيتعين علينا أن نولي اهتماماً أكثر لما نقوم به من تصرفات. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بتصريح وزير الدفاع البريطاني السابق جيف هون، الذي رد على سؤال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) عن موت المدنيين أثناء بعض العمليات العسكرية التي تقوم بها بلاده، في 4 أبريل/نيسان 2003 ، بقوله: "إن التبعات وخيمة للغاية، ولكن أمهات الأطفال الذين ماتوا بسبب هذه القنابل الانشطارية سيشكرن في يوم من الأيام البريطانيين على استعمالها من أجل إعطائهن إمكانية اتخاذ القرار بأنفسهن بشأن مستقبل بلادهن عوضاً عن الاستمرار في العيش في بلد واقع تحت وطأة نظام جائر".

وعلى الرغم من التصريحات حسنة النية وخطاب رفض صراع الحضارات، فإن السياسة التي تنتهجها واشنطن يعتبرها الكثير، بما في ذلك خارج العالم الإسلامي، سياسة اعتداء تمنح مصداقية أكثر للانتقادات اللاذعة الصادرة عن قادة القاعدة.

وجاء اللجوء إلى الكذب بهدف إقناع الرأي العام ليقضي على مصداقية الخطاب الأمريكي قضاء مبرماً. فلا يمكن إقناع جزء من الرأي العام الغربي بصحة هذا الخطاب من خلال التأكيد على وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، وأن صدام كانت له علاقة مع القاعدة، وأن موت مائة ألف شخص في الحرب لا يساوي شيئاً مقارنة بالفوائد السياسية التي تترتب عليها، وأن الأمور تسير على ما يرام في جوانتانامو، وأن ما جرى في أبو غريب مجرد أخطاء فردية، وأن المدنيين في الفلوجة لم يتعرضوا إلى أي ضرر وخيم، وأن الجيش الأمريكي تعامل مع السكان العراقيين بكل احترام، وأن الفلسطينيين ستكون لهم دولة دائمة في أقرب الآجال، وغيرها من المسائل.

كيف لا يمكن إدراك أن ذلك ما فتئ يفقد مصداقيته يوماً إثر يوم بما في ذلك داخل العالم الغربي. وكيف لا يمكن إدراك أن مثل هذه الأكاذيب كلها، باسم مزايا الديمقراطية وقيم المجتمع الغربي، جاءت لتغذي الشعور بالحقد لدى البعض؟ ومن ثم، لا ينبغي تغيير ما نحن عليه، ولكن يتعين بكل تأكيد تغيير ما نقوم به من تصرفات، من خلال تبني ممارسات أكثر تطابقاً مع الخطاب الذي نعتمده.

Share