لماذا تعد الاحتجاجات الحالية في أمريكا مختلفة؟

  • 2 يونيو 2020

اتخذت ردود الأفعال الشعبية على مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية جورج فلويد على يد شرطي أبيض الأسبوع الماضي، مساراً غير متوقع؛ حيث عمت المظاهرات المدن الأمريكية، وتخللتها أعمال عنف وحرق وقتل ونهب وسلب شبيهة بتلك التي تحدث عادة في دول طالما كانت الولايات المتحدة تنتقدها، ولا تتوقف عن انتقادها.

الاحتجاجات الواسعة في الولايات المتحدة ليست جديدة؛ فقد حدثت احتجاجات واسعة كثيرة من قبل؛ كما أن مقتل رجل أسود على يد رجال بيض من الشرطة أو من غير الشرطة، ليس جديداً أيضاً، فقد وقع مرات؛ بل وأدى في كثير من الأحيان إلى احتجاجات شعبية كبيرة، وقتل في بعضها أضعاف ما قتل في الاحتجاجات الحالية. ولكن هذه المرة مختلفة كثيراً، لاعتبارات عدة:

أولاً، الأسلوب الذي تم فيه قتل الرجل؛ فقد أظهرت تفاصيل حادثة القتل الموثقة بشكل واضح، واستمرار الشرطي بعملية خنق الرجل وهو لم يكن يشكل أي خطر على الإطلاق، صورة من صورة الهمجية، حيث بقي يستنجد ويستغيث لفترة طويلة، بينما كان بقية عناصر الشرطة ينتظرون، حتى فارق الحياة؛ وهو مشهد مثير دفع رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى وصفه بأنه عملية قتل وإعدام مباشر على الهواء. وهذه صور عادة ما نراها في الدول غير الديمقراطية، وفي دولة شبيهة في نشأتها بالولايات المتحدة وهي «إسرائيل».

ثانياً، ردود الفعل الرسمية؛ وخاصة من أعلى سلطة في البلاد، وهو الرئيس؛ فبدلاً من تخفيف حدة التوتر أججت تغريداته الناس، وذكرت تهديداته باللجوء إلى القوة تهديدات تلجأ إليها عادة الأنظمة المستبدة؛ حيث تلجأ إلى الجيش لقمع شعوبها أو فرض إرادتها. وهو أمر لم تعتد الولايات المتحدة عليه؛ فنشر الحرس الوطني في مينيابوليس وبرغم مبرراته بسبب أعمال العنف والحرق، كان الأول من نوعه في ولاية مينيسوتا. وهذا بالطبع يؤثر بشكل كبير في صورة الولايات المتحدة.

ثالثاً، تأتي هذه الاحتجاجات في ظروف غير طبيعية، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات فرضها تفشي فيروس كورونا المستجد؛ حيث تفاقمت المشاكل الاقتصادية، وزاد الفقر ونسبة البطالة بشكل غير مسبوق منذ الكساد العظيم في أواخر العشرينيات من القرن الماضي؛ بينما تشير الإحصائيات إلى أن أكثر الفئات التي تأثرت بالفيروس، سواء من ناحية الإصابة به ونسبة الوفيات بسببه، أو من الناحية الاقتصادية، هم السود والمناطق المهمشة، التي تعاني أصلاً ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة من قبل كورونا؛ ومن ثم جاءت حادثة قتل واحد منهم بهذه الطريقة البشعة لتؤجج مشاعرهم، وتفتح نيران الغضب على المنظومة التي تستهدفهم، وفي مقدمتها الشرطة.

رابعاً، تأتي الاحتجاجات في ظل ظروف سياسية مختلفة أيضاً؛ حيث ستشهد الولايات المتحدة هذا العام انتخابات رئاسية مرتقبة ليس فقط داخل أمريكا وإنما أيضاً خارجها؛ وذلك بسبب التحول الكبير الذي أحدثه قدوم الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض وتعاطيه مع الملفات الداخلية والخارجية بطريقة مختلفة كلياً عن سابقيه. وقد أثارت هذه الطريقة جدلاً واسعاً داخل أمريكا وخارجها؛ إلى درجة أن هناك ترقباً حقيقياً لما يمكن أن يحدث في نوفمبر المقبل؛ وما إذا كان ترامب سيستمر في منصب أو سيخسره. وفي هذا السياق تشكل الاحتجاجات الحالية اختباراً حقيقياً للرئيس ترامب لا يقل عن اختبار فيروس كورونا الذي قضى على معظم إنجازاته الاقتصادية؛ ومن ثم فإن الاحتجاجات تمثل عامل ضغط آخر غير متوقع على الرئيس ترامب؛ وقد تكلفه خسارة البيت الأبيض حتى لو تحسن الاقتصاد.

إذاً الاحتجاجات الحالية في الولايات المتحدة مختلفة عن سابقاتها؛ وسيكون لها تداعيات كبيرة، ليس فقط على الداخل الأمريكي السياسي والاجتماعي، وإنما أيضاً على صورة الدولة العظمى التي اكتسبت هيبتها العالمية بسبب مبادئها الديمقراطية؛ وهي تعاني الآن ممارسات شبيهة بتلك التي تحدث في دول كثيراً ما كانت تقف لها بالمرصاد، نقداً ورفضاً لانتهاكات بحق المتظاهرين أو ممارساتها العنصرية ضد الأعراق أو الأقليات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات