لماذا تأخر توقيع اتفاق السلام في السودان؟

يراوح اتفاق السلام في السودان مكانه في انتظار توصّل مجلس السيادة الانتقالي والحكومة من جهة، وحركات التمرد المسلحة التي ما زالت تنشط على الصعيدين السياسي والعسكري في العديد من ولايات البلاد من جهة أخرى، إلى صيغة توافقية نهائية تنهي الخلافات العالقة بخصوص بعض الملفات وخاصة قضية تعويضات المتضررين من الحرب.
الاتفاق الذي كانت تصريحات الأطراف كافة بشأنه تعبّر عن تفاؤل كبير وتؤكد الوصول إلى مراحله النهائية، يتعرض لمحاولات إفشال وتخريب من أطراف تريد استمرار الصراع في السودان والحيلولة دون تحقيق استقرار يتيح له التفرغ لمعركة البناء والتنمية واستغلال الثروات والإمكانات التي يزخر بها لصالح الارتقاء بنوعية حياة شعبه، وذلك نظراً إلى ارتباط الصراع بأجندات جهات داخلية ستتضرر مصالحها الضيقة من انتهاء الصراعات والحروب، وهو الأمر الذي أكده نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو «حميدتي» في تصريحاته التي أدلى بها مؤخّراً وبدا فيها أقل تفاؤلاً، على الرغم من أنه كان حتى منتصف شهر يوليو الماضي واحداً من بين أكثر الشخصيات السودانية تفاؤلاً بقرب توقيع الاتفاق، وهو ما يتجلى في الفارق بين تصريحاته الأخيرة وبين التصريحات التي أدلى بها عقب الجلسة التي عقدت برئاسته في شهر يونيو الماضي وشدد فيها على أن الحكومة ومجلس السيادة متمسكان بجهود تحقيق السلام، وبشر الشعب السوداني بأن اتفاق سلام شامل ومستدام سيوقع في أقرب وقت ممكن وخلال فترة وجيزة.
وتنعكس جهود إعاقة الاتفاق وتعطيله على الأرض من خلال الحوادث التي شهدتها وتشهدها مناطق مختلفة في السودان والتي تؤيد ما ذهب إليه «حميدتي»، حيث تكشف هذه الحوادث عن نوايا مبيّتة لإثارة النعرات والصراعات وتأجيجها وإعادة إشعال فتيل الحرب، وتشتيت الجهود الحكومية وإشغالها عن جهود التسوية، إلى جانب خلق مزيد من الضغط على أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية.
خلال الاحتفالات بعيد الأضحى المبارك تعرضت العديد من القرى في إقليم دارفور غرب السودان وولاية كسلا الواقعة شرق البلاد إلى هجمات سقط فيها العديد من القتلى والجرحى وتزايدت بسببها أعداد النازحين والفارّين من أتون الصراعات المسلحة؛ حيث شنّ مسلحون هجوماً على قرية في ولاية جنوب دارفور رداً على اعتقال قائدهم بعد إبلاغ القرويين الشرطة عنه، وقاموا بإحراق ونهب المنازل وأطلقوا النار على السكان، كما قتل شخصان وأصيب نحو 30 آخرين في هجوم تعرّضت له إحدى القرى التابعة لولاية كسلا، في حين شهد الثلث الأخير من شهر يوليو الماضي هجوماً عنيفاً شارك فيه نحو 500 مسلّح على إحدى قرى ولاية غرب دارفور، وارتكبوا خلاله مجزرة راح ضحيتها 61 شخصاً على الأقل، أغلبهم من إحدى القبائل ذات الأصول الإفريقية، فضلاً عن نزوح نحو ألفي عائلة يزيد عدد أفرادها على 10 آلاف شخص من مناطقهم؛ إما نحو مناطق مجاورة في الإقليم، أو عبر الحدود باتجاه تشاد، فيما يبدو ظاهرياً أنه خلافات قبلية، في حين تشير المعطيات إلى أن هناك أيادٍ خفية تقف خلف مثل هذه الهجمات وتسعى إلى إدامتها وتوسيع نطاقها.
وفقاً لـ «دقلو»، فإن هناك مجموعات تسعى إلى الفتنة وتصفية الحسابات لتدمير البلاد، فأسباب تصاعد النزاعات القبلية في أقاليم دارفور وجنوب كردفان والشرق مصنوعة، وهو ما أثبتته التحقيقات التي أجريت مع المشتبه بوقوفهم وراء تلك الأحداث الدامية، الأمر الذي يتطلب من جميع الأطراف المعنية في السودان التكاتف والتضامن لإفشال المخططات التخريبية والتحلي بأكبر قدر من ضبط النفس والحرص على عدم التسرّع في ردود الأفعال، كما يتطلّب من الحكومة السودانية والأجهزة الأمنية والعسكرية المزيد من الحيطة واتخاذ تدابير استثنائية للتصدي لأي محاولات جديدة لزعزعة الأمن والاستقرار أو إشعال الفتنة بين مكونات الشعب السوداني، كما يتطلّب من الحكومة والأطراف المشاركة في مفاوضات السلام تسريع عملية التفاوض، وأن يقدّم كل طرف بعض التنازلات في سبيل حسم هذا الملف، وبالتالي تفويت الفرصة على المتربصين والقضاء على أية آمال للحالمين بإعادة السودان إلى عهود ولّت وانقضت.

Share