لماذا الغضب الإسرائيلي من سترو؟

  • 29 مارس 2003
عبّرت إسرائيل عن غضبها الشديد من تصريحات لوزير الخارجية البريطاني جاك سترو لهيئة الإذاعة البريطانية مؤخرا قال فيها "إن الغرب قد انتهج سياسة الكيل بمكيالين إزاء العراق والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي"، مشيرا إلى ضرورة تطبيق قرارات مجلس الأمن الخاصة بهذا الصراع مثل تلك المتعلقة بالعراق، حيث استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية السفير البريطاني في تل أبيب للاحتجاج على هذه التصريحات، معتبرة إياها "خطيرة ولا أساس لها قطعيا". ولم تكتف إسرائيل بذلك وإنما أعلنت أن خطة السلام المعروفة باسم "خارطة الطريق" لن يتم الإعلان عنها قبل نهاية الحرب ضد العراق.

والواقع أن الموقف الإسرائيلي من تصريحات الوزير البريطاني قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، حيث لم يوّجه جاك سترو إليها أي انتقاد ولم يقل شيئا يمس بأمنها أو سيادتها حتى تقوم باستدعاء السفير البريطاني للاحتجاج لديه، كما أن الرئيس الأمريكي نفسه قد أكد أكثر من مرة، وليس بريطانيا فقط، أن "خارطة الطريق" سوف تنشر قريبا وأنه ملتزم بإنشاء دولة فلسطينية تعيش إلى جانب إسرائيل.

ولكن الأمر لا بد من أن يُنظر إليه من زاوية أخرى لفهم أسباب ومنطق وخلفيات الموقف الإسرائيلي، وهي الزاوية الإسرائيلية والرؤية الإسرائيلية لنفسها ولطبيعة الصراع مع العرب والفلسطينيين، التي تعتبر أن إسرائيل فوق القانون الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة، ولذلك فإنها تضرب بقرارات هذه الأخيرة، التي تقدر بالعشرات، عرض الحائط منذ عام 1948 وحتى الآن، وربما تكون هي أكثر الدول في العالم التي صدرت ضدها قرارات أممية لم تنفذها. كما ترى إسرائيل في العلاقة مع الفلسطينيين شأنا داخليا خاصا لا يجوز لأحد التدخل فيه إلا بإذن منها وبالاتفاق معها، حيث تسعى دائما إلى عدم تدويل الصراع بكل الطرق والأساليب، ومن هنا عملت منذ بدء العملية السلمية مع العرب في مؤتمر مدريد للسلام، على إبعاد هذه العملية عن إطار الأمم المتحدة وقراراتها ومرجعياتها مبررة ذلك بأن التفاوض الثنائي والحوار المباشر هما الأفضل، وأن المرجعيات القانونية القديمة للتسوية، المتمثلة في قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة مثل القرارين 242، 338 وغيرهما، لم تعد صالحة أو قادرة على حل النزاع، وهذا ما يفسر أن الاتفاقات جميعها التي تمت بين العرب وإسرائيل في إطار العملية السلمية منذ مدريد تمت بعيدا عن الأمم المتحدة.

إن إسرائيل من خلال مواقفها وتصريحاتها الأخيرة، تكشف بوضوح عن رؤية مغلوطة للسلام مع الفلسطينيين والعرب لا تستند إلى أي من المرجعيات القانونية للصراع العربي-الإسرائيلي أو عملية سلام مدريد ومرجعيتها الأساسية "الأرض مقابل السلام". ولا شك في أن إصرار إسرائيل على عدم إعلان "خريطة الطريق" إلا بعد انتهاء الحرب في العراق هو دليل على نية مبيتة لفرض سلامها الخاص مستغلة الأوضاع الاستراتيجية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات