للوطن دَيْن… لا يعدم

د. عبدالله العوضي: للوطن دَيْن... لا يعدم

  • 20 يناير 2009

عندما نتحدث عن الوطن بشؤونه وشجونه، فإن الهدف هو الحث على بذل مزيد من الجهود البناءة للالتفاف حوله وإعلاء شأنه بكل السبل؛ فللوطن دَيْن يطوق أعناقنا، ولا ينبغي أن يتم التعامل مع هذا الدين على أساس مادي أو اقتصادي كما هو الحال بالنسبة للأنظمة المالية المتبعة في البنوك بشأن الديون المعدومة التي يصعب استيفاؤها عبر سلسلة طويلة من الإجراءات القانونية المعقدة والتسويات التي تخلق أجواء مشحونة بين المواطنين والمؤسسات المالية بصفة عامة، حتى يصل الأمر بالأخيرة إلى إعدام ذلك الدين وإلغائه من الأصول المالية المعتمدة في ميزانيتها، فما ينطبق في عالم المال والأعمال لا ينطبق في عالم الأوطان، والذي يريد أن يقيس هذا بذاك، إنما يحاول أن يدخل الوطن ومصالحه العليا في كفة المقامرة والمغامرة غير المحسوبة النتائج.

 للوطن في رقابنا ديون يجب دفعها ليس من جيوبنا، بل من دمائنا وأرواحنا التي ترخص من أجله ساعة يحمى الوطيس أو يشتد النزال في ساحات الوغى وفي جميع الميادين الأخرى، ولاسيما الحربية منها، وهي قليلة وتحكمها عادة ظروف استراتيجية وسياسية خاصة تحرص الأوطان على استبعادها ومحاولة تفاديها قدر الإمكان. ونحن نجد أنفسنا اليوم أمام معارك فكرية؛ اجتماعية؛ ثقافية، وعلمية يجب خوضها لسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها بعض أصحاب الأفكار المتطرفة الذين يزعمون الانتماء إلى تيارات تتمسح بالدين، ويحاولون نشر أفكارهم التي تهدف إلى تدمير المكتسبات التي حققها هذا الوطن لعقود من الزمن؛ فاجتثاث روائح الأفكار الطائشة والمتطرفة الموغلة في الترهيب، أصبح هماً لا يقل عن هم العمران والمشاريع التطويرية في أروقة هذا المجتمع الذي يتقدم بخطى متسارعة نحو العالمية، بكل ما فيها من حضارة ورقي وبناء لأسس المستقبل الواعد.

 إن دولة الإمارات، الوطن الأم لكل القاطنين فيه، يجب ألا تترك الساحة لفئة آثرت التعامل مع دَين الوطن بطريقة عملاء البنوك وتريد أن تروج أفكارها بطرق ملتوية؛ فالمعركة الفكرية باتت ضرورية ضد هؤلاء المتطرفين العابثين بأمن الوطن، بل اللاغين لوجود فكرة الوطن من الأساس، والساعين إلى محاولة استبدال قيم هذا المجتمع بقيم وأفكار من خارج الحدود، التي لا يعترفون أصلاً بوجودها، وهذا في حد ذاته يمثل تحدياً مهماً يجب على كل غيور مواجهته بكل ما يملك من قوة الحجة والبرهان الساطع حتى يتلاشى فكر الكهوف والمغارات المظلمة الذي تحاول هذه الفئة الضالة نشره من أجل إطفاء شعاع الحضارة الإنسانية، والذي يخالف كلية مبادئ التربية الوطنية الحديثة التي يتم غرسها في نفوس الأطفال عند أول السلم التعليمي وما قبل.

 إن هذه الفئة التي تحاول أن تلغي مفهوم "الوطن" من الذهن ومن الأرض القائم عليها، تتصرف وتربي الأفراد على العيش في نموذج مختلف من العلاقات الاجتماعية يعود إلى ما قبل ميلاد فكرة "الوطن"، ويضع قيم الجماعة وتقاليدها وهويتها وعصبيتها قبل الدفاع عن مكتسبات الوطن من حيث الأولوية، وهذا في الواقع هو المعنى الوحيد للأصولية الدينية التي يسعى أتباعها إلى نشر هذا الفكر وتطبيقه إذا أمكن، وإحلاله محل القوانين الحالية التي تعلي من قيم الانتماء للوطن، إضافة إلى مناهضتها هذا الأخير (الوطن) كمفهوم وكفكرة ناظمة للحقيقة الاجتماعية التي تقوم عليها حياة الأفراد، وإلغائه من الوجود وإحلال الجماعة محله. والأخطر من ذلك في هذا الفكر أن أنصاره ينظرون إلى العالم كله كوطن لهم، ويتعاملون مع المكان الذي يعيشون فيه ويعتاشون منه باعتباره مجرد مرحلة مؤقتة، لذا كانت القيمة الفعلية لمفهوم الوطن لدى معتنقي هذا الفكر المتلبس معدومة.

 إن فكراً هذا منهجه ومعتقده، يجب أن نتصدى له بالعلم والمعرفة وتفنيد المغالطات التي يحملها باسم الدين، ويحاول تقديمها في كوب مقلوب لا يمسك ماء ولا ينبت زرعاً نافعاً في أرضية هذا المجتمع المفتوح على كل القاطنين فيه، إلا لدى فئة ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فكيف لنا أن نسمح لهم بنشر بذور أفكارهم الفاسدة والمفسدة؟ فهي، وإن ظهر في البداية أنها تهدف إلى الصلاح، نهايتها والمراد منها هو الامتناع عن أداء الدَّين الواجب للوطن.

 لسنا هنا في مجال الحديث عن إعادة الجدولة للديون المفروضة علينا لصالح مد الوطن بالحيوية والنماء المستدام، ولكننا نريد وضع هذا الوطن بكل تفاصيله في أعلى سلم الأولويات المجتمعية، حتى لا نسمح لصاحب أي فكر مستبد أن يجيِّر الوطن بكل مكوناته لصالح مصالحه الذاتية، أو أن يستخدم في تنفيذ ذلك المطلب وسائل خارجية من إعلام وأموال، كما هو ديدن بعض الحركات والتنظيمات الدينية العابرة للحدود الجغرافية والعقلية بين البشر، والتي تحاول إلغاء الآخر المتمسك بحبل الوطن إلى حد الكفن.

 لقد حان الوقت بعد مرور سبعة وثلاثين عاماً من عمر الاتحاد المضيء لدروب السائرين نحو هذا الهدف السامي أن يغرسوا شموع المحبة الملتفة حول وطننا المحفوظ بدرع حصين، وأن يصونوا وحدة البلد والعصمة الجماعية التي سقيت بمداد القادة الأوائل، وعلى رأسهم الشيخان زايد وراشد، رحمهما الله، واللذان هبا لنجدتنا من الاستمرار في الشتات والفرقة والنزاع.

 إن هذا الجهد المتسامي فوق الرغبات الشخصية أنتج دولة اتحادية نفتخر جميعاً بالانتماء إليها، ونضعها في سويداء قلوبنا حفاظاً عليها من شرور الأفكار الدخيلة التي تسعى فئة من خلالها إلى إصابة وحدتنا الوطنية بالضعف والهوان؛ لأن الوطن لا يعد لدى هذه الفئة المتشدقة بالدين سوى شيء من مخلفات الزمان.

 وطن دولتنا الاتحادية كنز ثمين لا ينبغي أن يسمح لأحد، كائناً من كان، بالتفريط بأي مكتسب من مكتسباته، فهذا الصرح الذي بني من عرق البناة الأفذاذ منذ اليوم الأول وإلى قرابة العقد الرابع من عهد التمكين، ليس من السهل أن يترك هكذا ليصير ضحية أو فريسة رخيصة في فم بعض أصحاب الأفكار الذين يختصرون كل شيء لديهم في لقمة مهما بلغ حجم الإنجاز وأهميته في سلم الحضارة البشرية.

 إن وطننا بحاجة إلى دروع فكرية حصينة تقيه شرور الأفكار المستطيرة وبالذات تلك التي لا تعترف بأن هناك أفكاراً أخرى بناءة، بدلاً من هذا النوع الهدام لأعز ما لدينا، وهو الوطن الذي يجد نفسه مرفوع الرأس في شأنه بين الأمم من حوله. فإماراتنا بما تملك من إمكانات البناء والبعيدة في سياساتها الداخلية والخارجية عن كل ما يعكر صفو الآخرين، هي التي تأكل أكباد قلة تدس في جنبات هذا المجتمع أفكاراً تكرس روح الفتنة بتكبير عدسة السلبيات في عيون بعض أتباع الفكر الأحادي المنغلق على نفسه منذ عقود، والذين لم يقدموا مشروعاً يستنهض الأمة، بقدر ما يتحركون لطمس المعالم المضيئة بين جنبات المجتمع الإنساني، مع أن المجتمعات والحضارات الأخرى ما تفتأ تذكر هذا الوطن المعطاء بشتى الوسائل المتاحة والممكنة، وترى أن الإمارات معجزة بشرية وفق المقاييس الحضارية التي وضعها أهل الاختصاص في هذا الشأن، فما بني من حضارة على أرض الدولة أقرب إلى المعجزات. وعجباً لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديث العقل والمنطق البعيد عن تقزيم النجاحات الباهرة إرضاءً لفكر إقصائي غير مرحب به في وطن لا عدمناه!

Share