لكي ينجح دور المعتدلين العرب

عبدالوهاب بدرخان: لكي ينجح دور المعتدلين العرب

  • 8 فبراير 2007

قد تكون الخطة الأمريكية الجديدة للعراق واعدة ومؤهلة للنجاح – بمساعدة الحلفاء العرب في "محور المعتدلين" – إلا أنها مدعوة بل مضطرة لإظهار النتائج في أقرب وقت، قبل أن تفقد قوة الدفع المعنوي التي رافقت الإعلان عنها.

 لعل ما يشجع على إعطاء هذه الخطة فرصة أنها أوحت بأن الولايات المتحدة ستقدم على مبادرات جانبية، خصوصاً على صعيد القضية الفلسطينية، لتؤمن توازناً سياسياً في المنطقة، ولتقنع الحلفاء المعتدلين بأنهم سيحصلون أخيراً على "ثمن" لما تحملوه ويتحملونه من جراء وقوفهم إلى جانب السياسة الأمريكية.

 ولكن، مهما تزايدت الأسباب للتفاؤل، يبقى من الصعب الاعتقاد بأن هذه الإدارة الأمريكية اتخذت خيارات جديدة وحسمت أمرها على النحو الذي يعبر عنه خطابها الراهن. ثم إن هذه الخيارات، إذا صحّت، بل إذا استقامت مراميها، هي في حد ذاتها باهظة التكاليف. ما يعني أن دول الاعتدال مدعوة بل مضطرة لتحمل سلبيات السياسة الأمريكية في الذهاب وفي الإياب. وفوق ذلك، لا شيء يضمن منذ الآن مؤدى هذه السياسة؛ إذ إنها قد تفلح في تحقيق ما تعد به، وقد تخفق. وفي الحالين، يبقى لأميركا خيار الانكفاء وإدارة اللعبة من بعيد، أما دول المنطقة فليس الانكفاء واحداً من خياراتها.

 واجهت دول الاعتدال العربية ولا تزال تواجه ثلاث بؤر ساخنة ساهمت الإدارة الأمريكية في إشعالها في الوقت الذي عطلت بل أعدمت أمام حلفائها المعتدلين إمكانات التدخل لصنع الحلول وضمان تطبيقها. والآن، بعد المأزق العراقي ومع استمرار المأزق الفلسطيني (حتى قبل انتخابات حماس) وبسبب تجدد المأزق اللبناني، لا تبدو القدرة الأمريكية وحدها عاجزة عن معالجة التطورات وإنما تبدو قدرة المعتدلين العرب معطلة أيضاً؛ إذ إنهم مدعوون من جهة للمساهمة في حل المشاكل التي عقدتها السياسات الأمريكية، كما أنهم مطالبون من جهة أخرى بمساعدة الولايات المتحدة على تحسين أوضاعها في المنطقة من دون أن تكون مستعدة للتنازل عن أي من أولوياتها، وعلى رأسها تأمين مصلحة إسرائيل.

 حتى لو توافرت لدى المعتدلين العرب الرغبة والإرادة في المساعدة، ولو كانت مكلفة، فإن التصدي للصعوبات الراهنة لا بد أن يمرّ باعتراف أمريكي واضح بالأخطاء، وإلا فإن المبادرات المقبلة لن تجدي. المعتدلون لم يكونوا شركاء في تلك الأخطاء، وسيخطؤون بدورهم إذا بنوا خطواتهم على أخطاء أمريكية جديدة أو على خدع سبق أن لعبوها ولا يترددون في تكرارها.

 في العراق، أولاً، حيث كانت الأخطاء بالغة الفداحة وتحولت دموية خالصة، تأخر الأمريكيون كثيراً في إدراك خطورة النفوذ الإيراني، وبعدما استفحل أصبح هزمه باهظاً جداً بل حتى مهدداً لمستقبل الكيان العراقي كله، بما يعنيه ذلك من وحدة الأرض والدولة والشعب. وقد تأخروا أيضاً في إدراك أنهم قادوا البلد إلى حرب أهلية باتت تتحكم بمصيره. وتأخروا كذلك في إدراك الأضرار الناجمة عن إلغاء الدولة وحل الجيش والمؤسسات، وعن العبث بالصيغ السياسية عبر كتابة الدستور، وعن الحملات الأمنية العشوائية، وعن أعمال التزوير المتكررة للانتخابات والاستثناءات سعياً إلى "ديمقراطية نموذجية" … تأخروا وأُحبطوا إلى حد أنهم يتمنون الآن لو يستطيعون إعادة الغزو والاحتلال وفقاً لسيناريوهات مختلفة كلياً. وإذ يقولون اليوم إنهم يريدون تصحيح المسار، فإنهم لا يأبهون للكلفة البشرية، وإنما لا يزالون يبحثون عن "نصر" هارب.

 في فلسطين، ثانياً، لعل الأمريكيين أدركوا أخيراً أن صعود "حماس" إلى السلطة عبر الانتخابات كان أحد نتاجات سياساتهم المشتركة مع الإسرائيليين. وقد أخطأت إدارة بوش في "شطب"، ياسر عرفات وترك الإسرائيليين يتحكمون بموته وحياته، وأخطأت حين ساهمت في إضعاف محمود عباس، وأتاحت لشارون العمل على تفشيله، ثم أخطأت أيضاً حين عاقبت الناخبين الفلسطينيين وجوعتهم بسبب اختيارهم لـ "حماس" في اقتراع ديمقراطي كان يمكن أن يكون نموذجياً لو لم يكن ذريعة تختبئ وراءها الدول الكبرى لتبرير الحصار الإسرائيلي الذي مورس ضد شعب بأكمله. والآن؛ ولأن الأزمة العراقية تضغط، يستعيد الأمريكيون ورقة "الدولة الفلسطينية" التي يريدونها محدودة ومحددة ومؤقتة بل يعملون على إقامتها بالتوازي والتزامن مع العمل على إشعال حرب أهلية فلسطينية-فلسطينية. لا بد أن هناك مصلحة أمريكية-إسرائيلية، وليست فلسطينية كما يفترض، تستدعي إعلان هذه "الدولة"، لمجرد استدراج "محور المعتدلين" إلى اللعبة الكبرى في العراق أولاً، ثم ضد إيران.

 وفي لبنان، أخيراً، وبعد ثلاثة عقود من الاعتماد الأمريكي والإسرائيلي الكامل على سوريا في تطبيع أوضاع هذا البلد الصغير، يصار إلى إعادته ساحة للصراعات الإقليمية وقد استجد عليه عنصر خطير يتمثل هنا أيضاً بالنفوذ الإيراني. وهكذا أعيد لبنان سريعاً وبقوة إلى أجواء الحرب الأهلية، وباتت أرضه مرتعاً لـ "المحور السوري?الإيراني" ومنطلقاً للصراع مع "المحور الأمريكي?الإسرائيلي" ومن يقف إلى جانبه.

هذه الساحات الثلاث مترابطة وتدور فيها الصراعات ذاتها وإن كانت المواجهات وضحاياها من الأطراف المحلية، بل على رغم أن الأسباب المعلنة للمواجهات محلية أولاً وأخيراً. فالثابت في العراق كما في فلسطين ولبنان أن الحلول يجب أن تكون داخلية إلا أنها في جوهرها خارجية، لذا تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة ما لم يبدأ حسم ما في الخارج لينعكس على الداخل.

لكن مجريات الأمور لا تظهر سعياً جدياً إلى حلول، وإنما إلى مجرد تسهيل لمهمتي سلطة الاحتلال في العراق وسلطة الاحتلال في فلسطين وللدور الأمريكي-الفرنسي المبهم في لبنان. وفي أحسن الأحوال يمكن القول إن السعي هو إلى تطبيق سياسات قديمة لم تنجح في السابق ويراد فرضها اليوم في ضوء ضغط التطورات. ولو افترضنا جدلاً أن هناك نوايا حسنة هبطت فجأة على صانعي السياسة الأمريكية فلا بد أنهم لاحظوا أمرين مهمين: أن آليات الحلول الداخلية معطلة بسبب التدخلات الخارجية، وأن آليات الحلول الخارجية معطلة بسبب الضغوط الأمريكية على الأطراف الإقليمية. ألم يكن ملفتاً أن القوة الإقليمية الوحيدة التي سمح لها بدخول العراق بعد احتلاله هي إسرائيل، ولم يفطن الأمريكيون إلى ضرورة اللجوء إلى القوى العربية المعتدلة إلا بعد فوات الأوان.

 ولكي ينجح الاتجاه الجديد في المنطقة لابد للولايات المتحدة أن تظهر قدراً أكبر من الجدية، وعزماً أكبر على تسهيل الحلول المتاحة، ووعياً أكبر للحقائق. ففي مثل هذه الحال سيكون دور المعتدلين العرب مفيداً ومجدياً.

Share