"لحظة الحقيقة" في القضية الفلسطينية

  • 7 مايو 2003

خارطة الطريق" لم تزل تنحصر -حتى الآن- في إطار كونها آمالاً وطموحات سياسية تحت الاختبار، والاختبار هنا ليس فقط لمقدرة رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد محمود عباس (أبو مازن) على اعتبار أن من الظلم والإجحاف تعليق الرهانات الاستراتيجية كافة المتعلقة بالقضية الفلسطينية على عاتق الرجل، ولكن الاختبار أيضاً لمقدرة الجانب الإسرائيلي على تجاوز منطق القوة العسكرية باتجاه تبني قرارات حاسمة تخرج المنطقة بأكملها من الارتهان إلى الفوضى والعنف، فالمطلوب إذاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون التصرف بمنطق رجل الدولة المسؤول، ووفقاً لرؤية استراتيجية شاملة تستوعب المتغيرات الراهنة ولا تراوغ في مواجهة "لحظة الحقيقة".

المؤكد أن طرح "خارطة الطريق" ليس سوى بداية لطريق شاق وصعب ومعقد، ولذا ينبغي على مختلف الأطراف المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط بذل الجهد للتوصل إلى تسوية نهائية للأزمة، وإذا كان طرح "خارطة الطريق" يعد بحد ذاته قفزة نوعية للدبلوماسية الأمريكية في معالجة ملف الشرق الأوسط، فإن على الفلسطينيين أيضا تفهّم حقيقة ما يحدث، ومنح أبو مازن فرصة للتحرك دون أن يكون محاطاً بالشكوك وسوء الظن، فما يوصف بالاتجاهات الواقعية من قياداتهم لم يعد يقتصر على تيار أو فئة أو حتى شخص محدد، بل إن هناك تياراً فلسطينياً يضم شرائح وفئات مختلفة يتحدث عن ضرورة "ترشيد الانفعال" حفاظاً على شرعية المقاومة، وضماناً لأن تكون محركاً يدعم الحقوق الفلسطينية المشروعة. ولعل المهمة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الفلسطينيين تكمن في مواجهة التحدي الراهن والاعتراف بخطورة أي انقسامات محتملة بشأن التعاطي مع "خارطة الطريق"، فالثابت أن الأداء السياسي الفلسطيني قد نجح طيلة السنوات السابقة في تجاوز دائرة الصراعات والفتن الداخلية، ولكنه أيضا تجمّد عند نقطة حيادية ولم يستطع عبورها وصولا إلى توظيف هذا الجانب الإيجابي المتمثّل بالوحدة الوطنية ليصبح قوة دفع للقضية الفلسطينية كي تتجاوز واقعها الراهن، ولذا فمن الخطورة بمكان حدوث أي انقسامات في الصف الفلسطيني.

وإذا كان الجانب الفلسطيني قد تبنى فعلياً سلسلة من الخطوات التي تسهم في تهيئة بيئة التفاوض، فإن الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي، فلم يعد معقولاً ولا مقبولاً أن يتحدث الجميع عن مواقف واقعية للجانب الفلسطيني فيما تواصل حكومة شارون ممارسات القمع والإذلال للشعب الفلسطيني، والمطلوب أن تلتزم حكومة شارون بفتح أفق سياسي وباب للأمل كي يشعر المواطن الفلسطيني بأن ثمة مستقبلاً أفضل ينتظر أبناءه وأن الأحلام لم توأد بعد، فالتسوية الحقيقية والنهائية تتطلب تقاسم الأعباء والمسؤوليات وإلا فالحديث عن توقف العنف والبحث عن الاستقرار سيظل نوعاً من "الفانتازيا" السياسية. فالتشدد الإسرائيلي يمكن أن يقطع الطريق على أي "اعتدال" فلسطيني، وإذا كانت إسرائيل تنتظر من أبو مازن أن يكافح ما تصفه بـ"الإرهاب"، فإن فرصة رئيس الوزراء الفلسطيني في النجاح تكمن في أن يبادر شارون بتبني إجراءات جادة كي يلتقي مع الفلسطينيين في منتصف الطريق.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات