لبنان: وقائع تذكر بفواجع

  • 25 يوليو 2010

قلّما يتحدث سياسي أو مراقب في بيروت هذه الأيام عن الأوضاع في لبنان إلا ويبدي قلقاً كبيراً إزاء ما يمكن أن تخبئه الأشهر، بل الأيام المقبلة. وبدلاً من صورة الاستقرار التي رسمت في لبنان بعد تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" في عام 2008، صارت الخشية شديدة من انفراط هذه الحكومة وانفراط الوحدة الوطنية على السواء.

وإذ تختلط المخاوف الحقيقية بالسيناريوهات "الهوليوودية" لأحداث يمكن أن تحدث مع اقتراب استحقاق خطر منتظر هو "القرار الظني" في جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، والجرائم المتصلة بها والذي يتوقع صدوره عن "المحكمة الدولية" الخاصة، فإن الوقائع الميدانية المحلية معطوفة على الملفات الإقليمية تعطي صدقية واسعة للمتخوفين، فيما تستشف من أصحاب السيناريوهات نيات مبيتة غير مطمئنة يتقاطع فيها الممكن بالتخيلات ليضفي أجواء تعيد "وطن الأرز" إلى غرفة العناية الفائقة مع أنه لم يصل بعد إلى نهاية فترة الاستشفاء والنقاهة.

لم يكن عادياً كلام أمين عام "حزب الله" في 22 تموز/ يوليو 2010 خلال مؤتمر صحفي عاجل دعت إليه "الوحدة الإعلامية" في الحزب، فالسيد حسن نصر الله "فقأ الدمَّل" في موضوع "القرار الظني"، الذي راج منذ عام 2008 في مجلة "دير شبيجل" ثم في صحيفة "لوفيجارو" وغيرها من وسائل الإعلام، أنه يشير بأصابع الاتهام إلى مجموعة من "حزب الله" تقف وراء الاغتيالات. فكشف نصر الله عن أن رئيس الحكومة، سعد الحريري، أبلغه قبل أشهر بأن قرار المحكمة الظني يتطابق إلى حدّ كبير مع "دير شبيجل" وأنه سيعتبر المتهمين تصرفوا بمفردهم مبرئاً "حزب الله" من المسؤولية ومستوعباً التداعيات.

ولكن، بدل أن يعتبر نصر الله بوح الحريري له بالسر الخطر عرضاً كريماً فيه تعالٍ على الجروح وحرص على "المقاومة" والعلاقات السنية-الشيعية، خلص أمين عام "حزب الله" من ذلك إلى اعتبار قرار المحكمة مفبركاً منذ عام 2008 وينتظر التوقيت السياسي، ورفض اتهام أي فرد من الحزب، مشبهاً اتهام المحكمة لـ "حزب الله" بالاتهام السياسي الذي وجهته القوى السياسية المناهضة لخط "الممانعة" إلى دمشق غداة اغتيال الحريري في عام 2005 وتبيّن، حتى الآن، أنه ارتكز على النيات والتحليل فقط ويتوقع أن ينتهي بشبه براءة لدمشق إذا ما صدق سيناريو "دير شبيجل".

عملياً، خيّر نصر الله خصومه في "قوى 14 آذار/مارس" بين أن يخوضوا معركة إسقاط "المحكمة الدولية"، التي عملوا على بنائها خمس سنوات وأن يخوضوا معركة داخلية مع "حزب الله" وحلفائه. وهو باتهامه المحكمة بأنها "إسرائيلية" يضع كل مَن يدعم وجودها لكشف الحقيقة في خانة "العميل" حتى لو طاولت هذه التهمة أكثرية مجلس النواب ونصف الحكومة ونصف الشعب اللبناني. فالمقاومة بالنسبة إلى "حزب الله" دائماً على حق، وكل مَنْ خالفها الرأي والتوجهات على باطل يدرجه بسهولة في خانة التآمر المستحق للعقاب.

يصعب على المراقب أن يرى وسيلة يستخدمها نصر الله فعلياً في حربه الاستباقية على "القرار الظني" سوى العمل بنصيحة أسداها إليه النائب ميشال عون بأن "يغيّر قواعد اللعبة ويتنبه إلى مجموعات لبنانية تنوي ملاقاة الإسرائيليين الذين يخططون لاجتياح جديد للبنان". فهو رأى أن حليفه الجنرال "على حق" وشاركه الرأي، متجاهلاً أن تغيير قواعد اللعبة يفترض أن يتمّ بالوسائل الديمقراطية وليس بالعنف، وأن مجاله كان انتخابات 2009 التي خذل فيها الشعب اللبناني "حزب الله" وحلفاءه وأعطاهم أقلية المقاعد في مجلس النواب.

والحال أن "حزب الله" ليس مغرماً بصناديق الاقتراع، فتجربة اللبنانيين معه مريعة في هذا الإطار، فهو مؤيد كبير للانتخابات إذا أتت لمصلحته، ومنقلب شرس على نتائجها إذا لم تلبِ طموحه. هكذا فرض الحزب وحلفاؤه "حكومة وحدة وطنية" خلافاً لأحكام النظام الديمقراطي البرلماني الذي يعطي الأكثرية حق تشكيل الحكومة، وتذرع بـ "الديمقراطية التوافقية" لمنع قيام دولة ذات جيش واحد وأمن واحد وقرار حرب وسلم محصور في السلطة الشرعية وحدها. وهو إذ نجح في استتباع جزء من القوى السياسية إلى خطه مع تغيّر الموازين الإقليمية وعودة سوريا بقوة إلى لعب دور وازن في المنطقة، نجح في جعل رئيس الجمهورية اللبنانية ينادي بشعار "الشعب والجيش والمقاومة" كثلاثي ضروري لحماية لبنان أيضاً، ما سلحه بشرعية إضافية، وبورقة قوة يستخدمها في اللعبة السياسية الداخلية.

ليست المخاطر التي يتعرّض لها لبنان محصورة في "القرار الظني" الموجه إلى "حزب الله"، كون هذا التوجيه سيتسبب بتوتر سني-شيعي، وربما بتوتر مسيحي-شيعي أيضاً، وقد يرافقه عنف داخلي وانفراط عقد "حكومة الوحدة الوطنية"، بل إنها تتمثل في التوتر الإقليمي الناجم عن الملف الإيراني أيضاً الذي يجد ترجمة عملية له في لبنان.

فإسرائيل التي تعلن جهاراً أنها لم تعد تحتمل إمكان حصول طهران على قنبلة نووية استكملت عدتها العسكرية لخوض حرب ضد إيران أو ضد ذراعها في لبنان المتمثل في "حزب الله" أو ضد كليهما معاً، و"حزب الله" استكمل مخزونه من الصواريخ للتصدي لأي هجوم إسرائيلي أو لشن حرب استباقية تتناسب مع توقيت "الولي الفقيه"، أو تحرف الأنظار الداخلية في لبنان عن قرار "المحكمة الدولية". فحرب من هذا القبيل ستجعله يقول للبنانيين بالفم الملآن: (ما لكم تتحدثون عن اتهام أفراد من "حزب الله" بمقتل حفنة من الأشخاص، فيما نحن نخوض حرباً استراتيجية ضد عدونا التاريخي، وفيما مئات القتلى تحت الأنقاض بفعل آلة الدمار الإسرائيلية). وهروب إلى الأمام من هذا النوع مكلف للحزب وللبنانيين، لكنه ربما يحفظ مستقبل الحزب السياسي والعسكري، ويفتح أمامه أبواب الهيمنة الكاملة على السلطة.

هكذا يبدو الوضع في لبنان مفتوحاً على الاحتمالات كلها، لكن أضعفها هو أن يجلس الفرقاء السياسيون ويتفقوا على أن الدولة هي الحل، وأن سلاح "حزب الله" تحوّل إلى عبء على البلاد، خصوصاً إذا تمّ توجيه الاتهام إلى أفراد منه باغتيال رفيق الحريري وعدد من القادة اللبنانيين. فالانقسام الذي بدأت ملامحه تتضح في الأيام الأخيرة لا ينبئ بتوجه إيجابي ينقذ البلاد، فكيف إذا رُبط بما حصل للقوات الدولية قبل أسابيع قليلة في الجنوب، حين اصطدم أهالي "حزب الله" بالجنود الفرنسيين وما استتبع ذلك من اعتبار الحزب "القرار الدولي" رقم 1701، الذي أتت بموجبه القوات الدولية إلى جنوب لبنان إثر حرب يوليو 2006 بأنه قرار فرضته إسرائيل وموازين قوى جائرة وبات بالإمكان وضعه على مشرحة أكثر من تفسير؟

بعض المؤشرات يدفع إلى تحليلات، وبعضها الآخر إلى تنبؤات. غير أن ما حصل في الفترة الأخيرة في لبنان وقائع تذكر بفواجع، وتؤكد أن بعض القوى السياسية لم تتعلم من التجارب المرة، ولم تيأس من الشعارات ولا من التجريب بدم دولة لبنان ومالها ومصيرها.

Share