لبنان وصعوبات الحياد الإيجابي

د. بشارة نصار شربل: لبنان وصعوبات الحياد الإيجابي

  • 23 أكتوبر 2008

كان بديهياً أن يزور الرئيس اللبناني ميشال سليمان المملكة العربية السعودية بعد زيارته دمشق. فالسعودية صاحبة دور مهم في لبنان، سواء لجهة علاقتها بالسنة فيه، أو لجهة حجم تأثيرها السياسي والاقتصادي وارتباطها التاريخي بهذا البلد، والذي أخذ مع قدوم رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري إلى السلطة في العام 1992 منحى أكثر اتساعاً وفاعلية، ثم تحول بغيابه المأسوي إلى دور أكثر راديكالية وبات أحد عناصر التوازن والتجاذب على حد سواء.

وإذ سمع الرئيس سليمان كل كلام جدي ومسؤول من القيادة السعودية عن دعم لبنان والدولة اللبنانية، فإنه أدرك حين طالبت المملكة في حضوره بـ "رفع اليد عن لبنان" أن مهمته أكثر تعقيداً مما يتصور، وأن بحثه عن توازن عربي ثابت يحمي توازناً لبنانياً هشاً هو شبه مستحيل في الوقت الحاضر. ولم تكن الدعوة إلى "رفع اليد عن لبنان" إلا تأكيداً لاستمرار الخلاف السعودي-السوري المستمر، صعوداً وهبوطاً، منذ اغتيال الحريري في عام 2005، وهو خلاف كرس انفراط التوافق الثلاثي السعودي-المصري- السوري الذي ضمن لفترة ما بعد الاجتياح العراقي للكويت، في 1990، نوعاً من "النظام العربي" قبل أن يتشظى مفسحاً المجال لدخول إيران المباشر عبر تحالفها مع دمشق ورعايتها "حزب الله".

ليس موضوع لبنان هو كل الخلاف بين الرياض ودمشق. فبينهما طائفة أخرى من الخلافات، خصوصاً حول دور إيران في المنطقة، وملفها النووي، وهجمة "التشيع" على المنطقة، بالإضافة إلى الموقف من العراق. بيد أن لبنان يبقى الموضوع الجوهري بينهما. في هذا الخصوص، فإن المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الحريري ورفاقه، والتي دعمتها السعودية إلى أقصى الحدود، هي العقدة التي توقفت عندها كل مساعي التقريب بين العاصمتين. وكان مستغرباً لو تمكن الرئيس سليمان من تحقيق حلمه وحلم عديدين في لبنان في رأب الصدع السعودي-السوري؛ كي يبدأ التئام الجراح اللبنانية- اللبنانية. صحيح أن تطورات دبلوماسية عديدة حصلت في الأشهر القليلة الماضية أبرزها الانفتاح الفرنسي على الرئيس بشار الأسد، وانفتاح قناة التفاوض الإسرائيلية السورية في اسطنبول، وانتخاب رئيس للبنان، وقيام حكومة وحدة وطنية، لكنها جميعاً لم تعنِ "تغييراً في السلوك السوري" حسب المطلب الأمريكي، أو بداية انفكاك عن العلاقة الإستراتيجية مع طهران حسب أوهام الرئيس ساركوزي. وهما شرطان بديهيان لعودة الدم إلى شرايين العلاقة بين دمشق من جهة ومحور الرياض-القاهرة من جهة أخرى.

يجدد لبنان في بحثه عن حياد إيجابي، هو فعلياً عبارة عن توازن خارجي يرعى فقدان توازن داخلي، مساعي سابقة ومشابهة قامت بها الحكومات اللبنانية منذ استقلالها في العام 1943. فدستور الاستقلال حاول إيجاد المعادلة الصعبة بين وفاق الطوائف المحلي وعيونها الشاخصة إلى الخارج وعواطفها العابرة للحدود. فابتدع عبارة أن "لبنان ذو وجه عربي"؛ ليوفق بين عروبة سنته وتغريب مسيحييه. وتتالت المحاولات مع تعقد أزمة المنطقة وقضية فلسطين، وكان أبرزها "اجتماع الخيمة" عند الحدود السورية-اللبنانية بين الرئيس اللبناني فؤاد شهاب والرئيس جمال عبد الناصر، حين تم إقرار مبدأ "لبنان دولة مساندة لا دولة مواجهة". لكن الظروف الإقليمية كانت دائماً أقوى من سعي البلد الصغير إلى النجاة بمركبه. فحصلت الحروب الأهلية-الإقليمية التي اندلعت في 1975، وتناسلت حتى 1990، ولم تهدأ إلا بعدما تحول اتفاق الطائف العربي إلى اتفاق طائف سوري؛ كرس وصاية دمشق على لبنان، وألحقه بمحور "الممانعة" الهجين.

تشبه محاولات لبنان الفاشلة للعب دور حياد إيجابي أسطورة سيزيف. فكلما كاد لبنان أن يصل إلى تحقيق الهدف، عادت الصخرة تتدحرج إلى الأسفل. هكذا كان، مثلاً، جوهر التجربة الحريرية في لبنان: استعادة الدور عبر الاقتصاد والانفتاح، واستعادة الاستقلال خطوة خطوة عبر تكريس إيجابية الدور والحاجة إليه. وقد انتهت التجربة بمأساة. ثم عادت قضية الدور إلى نقطة البداية مع "انتفاضة الاستقلال". وليس سؤال "أي لبنان نريد؟" الذي يطرحه اللبنانيون، والخلاف على سلاح "حزب الله" إلا التعبير الواضح عن الخلاف على فكرة "الحياد الإيجابي" الذي يرى فيه "الاستقلاليون" طريق خلاص لبنان كونه يوفق بين التزامه العربي المتساوي مع سائر الدول العربية وبين مصلحته الوطنية، في حين يرى فيه "الممانعون" حلفاء دمشق وطهران أنه خيار غير واقعي يخرج لبنان من واقعه وواجبه الطليعي في مقارعة الوجود الصهيوني.

يحاول الرئيس سليمان في مساعيه تقوية الدولة اللبنانية والحصول على دعم للجيش وللمؤسسات السياسية. وهو في هذا المسعى يرسي عملياً أسس بناء "الحياد الإيجابي"، الذي يتمكن معه من بناء دولة لبنان العادية والمتناسبة مع حجمها وقدراتها. لكن مسعاه يصطدم أولاً بمأزق الانقسام الداخلي حول هوية الدولة، ثم بالانقسام الإقليمي حول هوية المنطقة. رغم ذلك يبقى المسعى جديراً بالاهتمام والتشجيع خصوصاً في غياب البديل. ذلك أن اللحظة الإقليمية التي أنتجت "اتفاق الدوحة" غير قابلة دائماً للتكرار وضمان هذا الاتفاق؛ فهي لحظة عابرة مهما انتفخت فيها الأدوار. لذا يدرك لبنان أنه لا يمكنه التأسيس على المصادفات الدبلوماسية، بل على الثوابت التي تشكل ركائز السياسات الإقليمية مهما حصل من خلافات. وهكذا يصح دائماً البحث عن الحياد الإيجابي بين الرياض ودمشق والقاهرة، سعياً إلى تفاهم الحد الأدنى بين الثلاثي العربي، اللهم إذا رفعت إيران يدها أولاً عن لبنان، وأدركت أن تخصيب التعاون مع المجتمعات العربية أجدى من اختراقات تثير الفتن، وأفضل من سياسة المحاور التي تكسبها بعض الأصدقاء وكثيراً من الأعداء.

Share