لبنان والأزمة السورية… تلازم وتأثيرات

  • 13 ديسمبر 2011

في فترة لا تتعدى أشهراً قليلة سجَّل لبنان الرسمي رقماً قياسياً في استهلاك مفهوم "النأي بالنفس" في الدبلوماسية الدولية. وإذ يذكر المتّتبعون للسياسة الدولية هذه الخطوة التي دشنها الصينيون في سبعينيات القرن الماضي في مجلس الأمن  بتمرير بيان رئاسي كان يحتاج إلى الإجماع، وظلت خطوتهم شبه يتيمة على مدى سنوات، فإنهم فوجئوا بدبلوماسية حكومة رئيس الوزراء اللبناني الجديد نجيب ميقاتي تستعمله في مجلس الأمن والجامعة العربية أكثر من مرة، تارة فيما يتعلق بإيران، وتارة أخرى فيما يخص سورية. وهو تصرف أثار التفهم والاستغراب في آن معاً، لكنه أكد صورة لبنان كدولة عاجزة عن اتخاذ أي قرار سيادي بعيداً عن المؤلم من التنازلات والتسويات.

حتى الآن، يمكن القول إن التركيبة الحكومية الحالية في لبنان المدعومة من دمشق و"حزب الله" اللبناني مستمرة في الصمود في لعبة الرقص على الحبال في مواجهة التحديات المطروحة عليها. وهي كانت كبيرة ومهمة وخطيرة حين أسقطت القوى المؤلفة لها قبل أكثر من عام حكومة الوحدة الوطنية التي رأسها سعد الحريري، وأصبحت أكبر وأهم وأشد خطورة في عهد الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي المؤلفة من تحالف قوى "8 آذار"؛ إذ داهمت رئيسها الحالي شرارةُ انتفاضة الشعب السوري ضد نظام الأسد. وهو أمر لم يكن في حسبان ميقاتي، محترف علاقات الأعمال والكلام الطيب مع سائر الفرقاء، والمرتبط بعلاقات جيدة مع نظام الرئيس بشار الأسد وحلقة السياسة والأعمال الضيقة حوله منذ سنوات.

   لم يكن ينقص اللبنانيين المنقسمين عامودياً على هوية لبنان ودوره في الإقليم وعلاقته مع سورية وعلى سلاح "حزب الله"، إلا الأحداث الخطيرة التي تجري في الدولة المحاذية صاحبة التأثير الأكبر على الداخل اللبناني. وإذ تمَّ، في بداية أحداث سورية، توافق ضمني بين مختلف الفرقاء على "النأي بالنفس" عن تلك الأحداث لتجنيب البلاد تداعياتها المحتملة، فإن تفاقم الأزمة وارتفاع أعداد القتلى والمصابين والمعتقلين وزيادة عدد اللاجئين السوريين إلى لبنان عبر الحدود وحقول الألغام ومطاردة الجنود السوريين لهم داخل الأراضي اللبنانية، أحياناً بالتوغل وأحياناً عبر "وسطاء" لبنانيين موالين لدمشق، كل ذلك رفع من حدة التجاذب في الشارع اللبناني وبين القوى السياسية المؤيدة للانتفاضة الشعبية وتلك الداعمة لحكم البعث.

   في هذا السياق، شكل استحقاق تجديد تمويل المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري في 31 نوفمبر 2011 نقطة مهمة في التجاذب الداخلي، لكن الرئيس ميقاتي استطاع أن "يبتدع" حلاً لتسوية هذه المشكلة يقضي بدفع حصة لبنان من موازنة مفترضة لـــ "الهيئة العليا للإغاثة" التابعة لرئاسة الحكومة، فنزع بذلك فتيلاً كاد أن يفجِّر حكومته. ذلك أن "حزب الله" وحليفه تيار النائب ميشال عون كانا أشد المعارضين للمحكمة التي اتهماها على مدى السنوات الماضية بأنها "إسرائيلية وأمريكية ومسيَّسة"، ولاسيما بعدما اتهمت أربعة من عناصر "حزب الله" بالتورط في عملية الاغتيال، وردَّ الحزب برفض تسليمهم واصفاً إياهم بـ"القديسين" وأشرف الشرفاء.

ولم يكن باستطاعة ميقاتي الضغط على من اختاروه رئيساً لحكومة لبنان ليقبلوا هزيمة سياسية تتمثل بتمويل المحكمة لولا الأحداث الجارية في سورية وشعور دمشق بالحاجة الماسة إلى حكومة ميقاتي في هذا الظرف الحساس. فهذه الحكومة تقف في صف النظام السوري وتدافع عنه أكثر مما يدافع عنه أهل النظام في دمشق، وقد برهنت على ذلك بمعارضتها كل الإجراءات التي اتخذتها الجامعة العربية ضد نظام دمشق، وبعدم التردد في الخروج عن الإجماع العربي وتعريض علاقات لبنان مع الدول العربية والأجنبية للخطر لتجنيب هذا النظام بعض المخاطر المحيطة به.

مسيءٌ بالطبع إلى صورة لبنان، هذا الانطباع الذي يتكون لدى الدول الأجنبية والعربية، عن دولة فاقدة قرارها الوطني أو مغلوبة على أمرها وعاجزة عن التضامن مع أكثرية الجامعة العربية ومجلس الأمن في إدانة سياسة القتل والقمع والاعتقال. لكن الموضوعية تقتضي الإقرار بأن الحدث الكبير الجاري في سورية أصاب لبنان، حتى اليوم، بحد أدنى من الأضرار. فصحيح أن السلطة الحالية مدانة سياسياً لتضامنها مع نظام متهم ومعزول، ومتهمة ميدانياً بالمساهمة في قمع اللاجئين والتستر على خطفهم من لبنان إلى سورية، ومدانة أخلاقياً بسبب تبريرها الجرائم والتعسف، لكنها في الوقت نفسه ما تزال تحول دون تفجر النزاع الداخلي، وتؤمن استقراراً مقبولاً يريده خصوم دمشق المتعاطفون مع مطالب المحتجين، ويحتاجه حلفاؤها، سلطة وأحزاباً مسلحة؛ لأن تقويم العاصمة السورية للوضع في لبنان ما يزال يفضل بقاء سلطة تقف معها في المحافل العربية والدولية وضد العقوبات، على ساحة مفتوحة لم تتطلب ضرورات المواجهة اللجوء إليها بعد.

وضع لبنان وأحداث سورية متلازمان. فبقاء النظام سينعكس على الساحة الداخلية استقواء من السلطة وأحزابها، خصوصاً "حزب الله"، ما يرفع منسوب التوتر السياسي والمذهبي، ورحيل النظام سيغير المعادلة ويفرض على الحزب إما الرضوخ للتوازنات الجديدة أو السير قدماً في طريق النحر والانتحار. إنه مشهد مفتوح على كل الاحتمالات، ربما كان أفضله حلٌ "يمني" للأزمة السورية يريح سورية ويعفي حكومة ميقاتي من الإحراج ومن الرقص، ساعة على الحبال، وساعة على رؤوس الثعابين، ودائماً على أوتار تهديد السلم الأهلي وأنغام الانقسام.

Share