لبنان: هل ستنهي الاحتجاجات نظام «المحاصصة» الطائفية؟

  • 29 أكتوبر 2019

يشهد لبنان خلال الفترة الحالية حراكاً شعبياً فريداً من نوعه، حيث إنه وللمرة الأولى، تخرج مظاهرات من مختلف المناطق والطوائف تنادي برحيل النخبة السياسية وإنهاء المحاصصة الطائفية. لكن السؤال هل يمكن أن تنهي هذه الاحتجاجات العابرة للطائفية نظام المحاصصة الطائفية؟
منذ أكثر من 10 أيام يواصل اللبنانيون في أنحاء البلاد كافة احتجاجاتهم ضد النظام الحاكم. ويتظاهر الشعب اللبناني في الشوارع بجميع طوائفه. وقد شملت الاحتجاجات المناطق التي تقع ضمن نفوذ «حزب الله» الشيعي والمناطق التي تقع ضمن نفوذ السنة في شمال البلاد وفي بيروت العاصمة التي تجمع كل الطوائف في أحيائها المختلفة. ويتفق المتظاهرون في مطالبهم ويرددون الشعارات نفسها المطالبة بإنهاء الفساد واستقالة حكومة سعد الحريري، وإجراء انتخابات جديدة، وإسقاط النخبة السياسية كلها، وفقاً للشعار الرائج في هذه الاحتجاجات «كلن يعني كلن».
وتؤكد كل المؤشرات، وجود رغبة عارمة لدى المتظاهرين في تجاوز نظام المحاصصة الطائفية، وهو النظام الذي يعد بمنزلة العمود الفقري للنظام الحاكم، وتم إقراره من خلال اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. وقد قام المتظاهرون بعمل سلسلة بشرية امتدت لمسافة تزيد على 170 كيلومتراً من جنوب البلاد إلى شمالها، لتأكيد وحدة الشعب اللبناني. ولم تنجُ زعامة لبنانية من الشعارات المناهضة التي رددها المتظاهرون. وحاولت النخبة السياسية بمختلف تقسيماتها الطائفية ركوب موجة الاحتجاجات من خلال إعلان تأييدها لمطالب المحتجين، متجاهلين حقيقة أن المصالح الضيقة لهذه النخبة هي السبب فيما يعانيه الشعب اللبناني حالياً من فقر وفساد وبطالة.
إن السؤال المركزي الذي طرحته هذه الاحتجاجات يتمثل في التساؤل حول مستقبل الطائفية في لبنان ومدى قدرة تلك الاحتجاجات على تجاوز نظام المحاصصة الطائفية. هناك من يقول إن هذه الاحتجاجات غير المسبوقة تعد بمنزلة فصل جديد في تاريخ البلاد ستتجاوز من خلاله النظام الطائفي في سبيل تأسيس دولة وطنية حديثة غير قائمة على معايير الانتماء الطائفي، استناداً إلى ما عكسته هذه الاحتجاجات من دلالات مهمة في هذا السياق، بيد أن هذا الاستنتاج يبدو متعجلاً إلى حد كبير، فتجاوز الطائفية ليس سوى شعار تم رفعه بين المحتجين، ولم تتم بلورته في شكل مطلب محدد. وليست هناك قيادة واضحة للمحتجين تقوم بهذه المهمة. وهناك احتمالات لتحول الاحتجاجات إلى أعمال عنف، وقد حدثت بالفعل بعض المواجهات، وخاصة في شمال البلاد، حيث اشتبك المتظاهرون وقوات الأمن. وفي بيروت وقبل بضعة أيام، حاول أنصار «حزب الله» وحركة أمل إثارة المتاعب. ونفى كلا الطرفين إرسالهما عناصره. أضف إلى ذلك، أن القيادات الطائفية في لبنان التي تمتلك الثروة والسلطة في لبنان، لن تسمح بأن يتم تجاوز النظام الطائفي، الذي خلق لها هذه المكانة المتميزة في البلاد.
وفي جميع الأحوال، فإن الاحتجاجات التي يشهدها لبنان حالياً تضع علامات استفهام حول مستقبل البلاد، وربما يكون من الصعب تجاوز الطائفية خلال المرحلة الحالية، ولكن المطالبات الشعبية الواسعة بتحقيق هذا الهدف تصب في سبيل ترسيخ قيم المواطنة والمساواة بين الجميع، وهو ما يدعم انتشار ثقافة مجتمعية ضد الطائفية، وهذا أمر مهم للغاية، فما كان للنظام الطائفي في لبنان أن يستمر لولا التأييد المجتمعي له، وعندما ينتهي هذا التأييد فسيكون من السهل تجاوز الطائفية، برغم أنف القيادات الطائفية، التي تريد الإبقاء على هذا النظام الذي يخدم مصالحها الشخصية. إن مصلحة لبنان كوطن وكشعب تتمثل بتأسيس دولة وطنية حديثة تقوم على قيم المساواة والعدل ويكون تولي الوظائف العامة فيها مؤسس على معايير الكفاءة وليس وفقاً لمعايير الانتماء الطائفي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات