لبنان.. هل تطفئ مساعي التهدئة ومساعي الفرنسيين الجمر المتوقد تحت الرماد؟

  • 20 يونيو 2020

على خلاف الدول العربية الأخرى التي شهدت تظاهرات واحتجاجات أواخر عام 2019 وخلال العام الجاري ومنها الجزائر والعراق، جمعت في مجملها ما بين السياسي والاقتصادي، فإن الاحتجاجات التي شهدها ويشهدها لبنان منذ منتصف شهر أكتوبر الماضي وحتى الآن اندلعت على خلفية اقتصادية بحتة ولم تكن لها أي مطالب سياسية جدية، وذلك على الرغم من مطالبتها في بعض الأحيان بإلغاء الطائفية، وذلك من منطلق أنها واحد من أسباب تكريس الفساد المستشري في البلاد.

الواقع أن تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان وما تبعه من تراجع غير مسبوق في مستويات الخدمات بجوانبها المختلفة، وتهالك في البنية التحتية، وتدنٍّ في مستوى معيشة المواطن اللبناني رفع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 25% من عدد السكان، كانت هي الدوافع الرئيسية وراء نفاد صبر اللبنانيين الذين اندفعوا إلى الشارع ليعلقوا الجرس للطبقة السياسية بأن الوضع بات على شفير الخطر، وأن البلاد أصبحت على حافة الإفلاس، الأمر الذي تكشفت آثاره خلال الأسبوعين الماضيين من خلال الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار، الذي وصل في السوق السوداء إلى 6 آلاف ليرة، ما يعني ارتفاعاً هائلاً في معدلات التضخم، وتراجعاً موجعاً في القدرة الشرائية للفرد.
هذه الأوضاع وما ترتب عليها من انحرافات وانفلات في طبيعة الاحتجاجات التي تحوّلت من سلمية إلى عمليات تخريب وحرق للمؤسسات الحكومية والخاصة وصدامات عنيفة أدت إلى وقوع قتلى وجرحى، كانت بمثابة الصدمة التي أوقظت السياسيين اللبنانيين على مختلف المستويات، بدءاً من رئاسة الجمهورية، مروراً برئاستَي مجلس الوزراء ومجلس النواب، وصولاً إلى قادة الأحزاب والتيارات السياسية، بأن الوقت قد حان للبحث عن مخرج للأزمة قبل انزلاقها إلى ما لا تحمد عقباه، والعمل على إطلاق مشروع إنقاذ وطني يُخرج البلاد من عنق الزجاجة الذي باتت محشورة فيه ويهدئ من غضب الشارع الذي بلغ معدلات انصهرت معها كل أطياف المجتمع في بوتقة واحدة واجتمعت على أهداف ومطالب موحدة.
التوتر الداخلي في لبنان ترافق مع توتر واضطراب في محيطه الخارجي، خصوصاً في الجارة اللصيقة سوريا التي دخل قانون قيصر الأمريكي الذي يفرض عقوبات اقتصادية قاسية عليها حيز التنفيذ اعتباراً من يوم الأربعاء 17 يونيو الجاري، وهو ما ستكون له انعكاساته على اقتصاد لبنان نظراً لارتباطه الوثيق بالاقتصاد السوري.
مساعي التهدئة والبحث عن الحلول المنشودة انطلقت مع دعوة الرئيس اللبناني ميشيل عون إلى عقد لقاء وطني جامع في القصر الرئاسي يوم الخميس 25 يونيو الجاري، سيشارك فيه رؤساء الجمهورية السابقون ورؤساء الحكومات السابقون ورؤساء الكتل النيابية ورئيس مجلس النواب ونائبه، للوصول إلى جو إيجابي يجمع الخصوم على طاولة القصر الرئاسي، ولتخفيف الاحتقان السياسي في الشارع وعلى مستوى العلاقات السياسية بين الكتل النيابية، الأمر الذي ينعكس عادة على الشارع من خلال تأثير كل تيار على مؤيديه ومناصريه ودعوتهم إلى التهدئة. مصادر لبنانية مطلعة توقعت أن يناقش اللقاء أيضاً خطة إنقاذ تتضمن احتمال إجراء تغيير حكومي، بهدف تشكيل حكومة تواكب المرحلة وتكون قادرة على التعاطي بشكل أفضل مع الملفين الداخلي والخارجي، وعلى إدارة المفاوضات بكفاءة وفاعلية مع المانحين وصندوق النقد والبنك الدوليين. التحرك لتطويق الأزمة وكبح جماح انهيار سعر الليرة جاء أيضاً قانونياً ومن خلال النائب العام اللبناني، الذي قرر فتح تحقيق شامل بشأن الأخبار التي جرى ويجري تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول فقدان الدولار من السوق، وارتفاع سعر صرفه إلى 7 آلاف ليرة لخلق البلبلة والذعر وحض الناس على سحب ودائعهم بالعملة اللبنانية من المصارف لشراء الدولار، وهو ما أدى سابقاً إلى ارتفاع غير مبرر في أسعار السلع الاستهلاكية، وتوقف بعض التجار عن تسليم هذه السلع، وهو تحقيق سيترافق مع بدء العمل بغرفة العمليات الخاصة المشتركة لمتابعة عمليات المضاربة على الليرة اللبنانية مقابل الدولار.
لبنان الرسمي يسعى إلى تدعيم التحركات الداخلية الساعية إلى حلحلة الأزمة بجهد دولي يقوده الصديق الفرنسي الذي باشر مساعي مع الولايات المتحدة للقيام بمبادرة سياسية تجاه الساحة اللبنانية تمنع الفوضى وتخفف الضغوطات الاقتصادية والمالية التي تفرضها واشنطن على لبنان بسبب أنشطة حزب الله.
لبنان بحاجة ماسّة إلى إطفاء نار الجمر الذي ما يزال برغم الهدوء الحالي متوقداً تحت الرماد، عبر مجموعة من الخطوات العاجلة وفي مقدمتها اجتثاث الفساد وضبط النفقات الحكومية، والقفز من مركب ما يسمى محور الممانعة الذي شارف على الغرق، والعمل الجاد على الخروج من العباءة الإيرانية التي يسعى حزب الله إلى تغطية وجه لبنان كله بها، والتخلص من التشنج الداخلي بين القوى والتيارات السياسية المختلفة. كما يحتاج لبنان على الصعيد الإقليمي إلى العمل الجاد لإعادة بناء علاقات متوازنة مع كل الأطراف المعنية بشؤونه، وفي مقدمة ذلك ترميم علاقاته مع دول الخليج العربي التي كانت تشكّل داعماً رئيسياً له على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ثم البحث عن مصادر ومجالات جديدة تساعده على الاعتماد على الذات وتجنبه ما أمكن وصفات صندوق النقد الدولي وأندية الدائنين.

Share