لبنان نحو حقبة جديدة.. حراك دولي ضاغط ورئيس وزراء غير تقليدي

  • 3 سبتمبر 2020

شكّلت حادثة انفجار مرفأ بيروت يوم الرابع من أغسطس الماضي، بداية حقبة جديدة في تاريخ لبنان الحديث، تشير المعطيات التي تتسارع على أرض الواقع إلى أنّ ما بعدها سيكون مختلفاً بشكل جذري وعميق عمّا قبلها، وخاصة أنها كشفت عن الكثير من مواطن الخلل والقصور التي دفعت هذا البلد نحو أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، وفتحت الباب على مصراعيه لفتح ملفات كانت حتى عهد قريب من بين المحظورات التي ترقى إلى درجة المحرّمات، واستدعت إلى الملف اللبناني تدخلات دولية تراجع دورها فيه على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

تداعيات كثيرة وذات أبعاد متشعبة على الصعيدين الداخلي والخارجي أعقبت كارثة مرفأ بيروت التي أوقعت ضحايا وصل عددهم إلى 188 قتيلاً، ونحو 6500 جريح، وألحقت أضراراً فادحة بالمرافق الخدمية والسكنية والبنية التحتية في العديد من أحياء العاصمة اللبنانية في دائرة بلغ قطرها نحو 8 كيلومترات، في مقدمتها داخلياً تعمّق الفجوة بين الطبقة السياسية التي تتناوب على إدارة شؤون البلاد منذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989 وبين الشعب اللبناني بأطيافه كافة، وفقدان الثقة بالنظام السياسي الذي يقوم على أساس التمثيل الطائفي الممزوج بنوع من المحاصصة السياسية، وازدياد حدّة الإصرار على خروج الوجوه التقليدية بشكل كامل من المشهد اللبناني ورفض قيامها بأي دور في حاضر البلاد ومستقبلها على قاعدة أنّ «المجرَّب لا يجرّب»، واتساع نطاق المطالبة بمحاسبة جدّية لا تهاون فيها لكل من تورّط أو تسبب في وصول الدولة اللبنانية إلى حافة الانهيار.

نتائج التداعيات تلك بدت واضحة من خلال تصدّع حكومة رئيس الوزراء المستقيل حسان دياب، التي تشكّلت وفق أجندة مشتركة بين تحالف حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحرّ، وكان يُنظر إليها على أنها همّشت الدور السياسي السنّي الذي يتزعمه ويقوده تحالف قوى 14 آذار، ومن ثمّ انفراط عقدها واستقالتها، وما أعقب ذلك من مشاورات لترشيح شخصية جديدة لرئاسة الوزراء تجنّبت، على غير العادة، طرح أي من الأسماء التي قد تكون مثيرة للجدل، وابتعدت بشكل واضح عن الوجوه السابقة التي كان يتمّ تدوير المنصب فيما بينها، وتوصّلت إلى توافق نادر بين الفرقاء على ترشيح الدكتور مصطفى أديب، وهو شخصية جديدة وغير تقليدية ولا ينتمي إلى أي من الأسر السياسية العريقة أو المتنفذة والمعروفة في لبنان، كما أنه صاحب خلفية أكاديمية، دخل إلى العمل الحكومي مستشاراً لرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، ثم انتقل إلى العمل الدبلوماسي سفيراً للبنان في ألمانيا.

على الصعيد الخارجي حرّك الانفجار وما تمخض عنه، المياه الدولية الراكدة، التي تعمّدت إغفال لبنان وأبدت تجاهه نوعاً من اللامبالاة، وتركته يواجه وحده مشكلاته المتعمقة والمتجذرة وخاصة في المجال الاقتصادي، وذلك بهدف الضغط على الطبقة السياسية ودفعها نحو إجراء إصلاحات حقيقية ومفصلية تكبح جماح الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة، وتوقف التغوّل الذي تمارسه بعض القوى وعلى رأسها حزب الله على القانون والمؤسسات والدولة برمتها، وحصر السلاح بيد الدولة وإعادة لبنان بشكل فعلي إلى المجتمع الدولي والنأي به عن سياسات إيران ونفوذها وطموحاتها، والتحقيق بشكل أكثر جديّة وشفافية وصلاحيات أوسع في انفجار بيروت. ولا شكّ أن الزيارتين المتتاليتين اللتين قام بهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبنان خلال شهر واحد، الذي يبدو أنه يحمل تفويضاً من أكثر من طرف دولي بالضغط على الدولة اللبنانية لتقوم بحسم أكثر من ملف يثير حفيظة المجتمع الدولي، تأتيان في سياق تداعيات ونتائج الانفجار، وتؤكدان إصرار الدول الداعمة والمانحة على تنفيذ المطالب السالفة الذكر، من خلال ربطها بتقديم أي مساعدات للبنان وهو ما تجلّى في تأكيد الرئيس الفرنسي في ختام زيارته الأخيرة لبيروت على التزام القوى السياسية بتشكيل الحكومة الجديدة في غضون 15 يوماً، وبالمباشرة في تنفيذ أجندة الإصلاح، والتحذيرات التي أطلقها من العواقب التي ستترتب على عدم إيفاء السلطات اللبنانية بوعودها بحلول نهاية أكتوبر؛ وهي عواقب يبدو أنها ستعمق جراح لبنان وتفاقم مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية لأنها لن تشمل وقف المساعدات فقط «لن نقدم للبنان شيكاً على بياض»، بل تتجاوز ذلك إلى فرض عقوبات قد تطال مؤسسات وشخصيات وكيانات متعددة.

يبدو أنّ انفجار بيروت، الذي شكّل كارثة على لبنان بكل المعايير والمقاييس، حقق نتائج لم يحققها حراك شعبي واسع امتد على مدار أكثر من 11 شهراً، وكان باستمرار يتبنى المطالب ذاتها التي تقدم اليوم من قبل الدول المانحة كشرط للمساعدات، الأمر الذي يجعل منه نقطة تحوّل في واقع لبنان ومستقبله قد تتحقق معها مقولة «ربّ ضارة نافعة».

Share