لبنان… ذريعة الحرب المحتملة أم ضحيتها؟

  • 23 فبراير 2010

تصلح عبارة "رفع العتب" وصفاً دقيقاً للاتصال الذي أجراه الرئيس أحمدي نجاد بنظيره اللبناني ميشال سليمان في 17 شباط/فبراير 2010 بعد ساعات من اتصاله بالأمين العام لحزب الله للشد على يده وتهنئته بالخطاب الذي ألقاه في الذكرى الثانية لاغتيال عماد مغنية، وأعلن فيه معادلة "مصفاة بمصفاة" و"مطار بمطار" والبادئ أظلم.

ولا شك في أن النصيحة التي أُعطيت للرئيس الإيراني بمهاتفة رئيس لبنان كانت في محلها، فهي لن تزعج نجاد على الإطلاق على حين تنقذ بعض الشكليات التي توجب احترام رمز دولة معترف باستقلالها وعضو في الجامعة العربية وفي منظمة الأمم المتحدة ولم يعلَن حتى اليوم موتها السريري على الرغم من شدة المعاناة والمحاولات المتعثرة للنهوض ولاستعادة السيادة ومقومات الاستقلال.

من بديهيات القول أن خطاب السيد حسن نصرالله الذي أعلن فيه استعداد حزبه لرد الصاع صاعين لإسرائيل إذا اعتدت على لبنان مثير للعواطف ولمشاعر الاعتزاز برؤية بلد عربي يحاول ردع العدوانية الصهيونية بالاعتماد على الذات، بيد أن المسألة لا تختصر بجميل الكلام وبالحماس ورفع القبضات، كونها ترتب على الدولة اللبنانية أعباء أكبر من قدرتها على الاحتمال ناهيك عن أنها مسألة لبنانية خلافية بامتياز.

السيد نصرالله كان واضحاً في قوله إن حزبه "لا يريد الحرب مع أنه مشتاق إليها"، رغم التناقض الظاهر في العبارة كون غاية الاشتياق هنا هي التواصل واللقاء بالحديد والدم والنار، لكن الأوضح هو أن "حزب الله" يستكمل استعداداته لخوض غمار معركة لم يخفِ أمينه العام أنها "ستغير وجه المنطقة" ولم يتردد أحمدي نجاد في تحديد هدفها بـ "إنهاء إسرائيل وإزالة الكيان". وهي أقوال وأهداف تواجهها إسرائيل منذ انتهت "حرب تموز/يوليو 2006" باستخلاص دروس الفشل في تحقيق الأهداف المتوخاة وتكثيف التدريبات والمناورات، وبالتهديد بتدفيع لبنان بمجمله أرضاً وشعباً ومؤسسات ثمن المواجهة الموعودة خصوصاً بعد تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية"، وإرغام الأكثرية النيابية على تضمين البيان الوزاري غطاء شرعياً للمقاومة.

كان يمكن وضع التهديدات المتبادلة بين "حزب الله" وإسرائيل ضمن "الحرب النفسية" المعروفة أو في إطار الاستعدادات الاستراتيجية التي يقوم بها الأعداء، إما لفرض توازن يمنع الحرب، أو لشنها بكفاءة إن تحولت أمراً واقعاً فرضه أحد الأطراف. ولو لم يكن الأمر أوسع من لبنان لربما أمكن بالفعل حصر ترددات التهديدات والسعي إلى تجنيب لبنان آلة الدمار الإسرائيلية والخيار الذي اختاره فريق لبناني لا تشاركه رأيه أكثرية الشعب التي صوتت في انتخابات يونيو 2009 ضد بقاء السلاح، وسُرقت أصواتها بفعل القوة على غرار ما جرى لـ "الثورة الخضراء" في إيران.

فدولة لبنان التي يقودها "حزب الله" إلى تنفيذ استراتيجياته وسياساته ليست، مع الأسف، صاحبة قرار في شأن مصيري يتعلق بالحياة والموت والمستقبل؛ إذ إنها وفقاً لوقائع ما بعد تحرير جنوب لبنان في العام 2000، باتت ساحة مباحة للتجاذب الإقليمي، ومكان لولادات متعثرة وقيصرية يتحكم بساعة التوقيت فيها محور "الممانعة" الذي بات يختصر عملياً بالمؤسسة الحاكمة في إيران. والدولة اللبنانية بهذا المعنى شاهد عاجز ومحتار. فهي تتمنى أن تمارس دورها كدولة طبيعية تشبه سائر الدول في المنطقة ملتزمة معاهدة الدفاع العربي المشترك ومبادرة السلام العربية، لكن يدها قاصرة بسبب الانقسام الداخلي الذي يقوده "حزب الله" بفعل التأييد الذي يحظى به في طائفته جاعلاً التسوية معها واجباً ميثاقياً مفروضاً على كل طوائف لبنان، وبفعل ولائه المطلق لولي الفقيه في إيران وتخزينه ترسانة حربية استثنائية جديرة بالجيوش وليس بالميليشيات، واستعداده لاستعمال السلاح في الداخل اللبناني مثلما فعل في "7 أيار/مايو 2007" حين احتل العاصمة وطوق رئاسة الحكومة وزعيم تيار "المستقبل" وشن حملة عسكرية على معقل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

لا يخفى على العالِمين ببواطن الأمور أن ذريعة "حرب يوليو 2006" لم تكن صناعة لبنانية بحتة من ابتكار "حزب الله"، إذ إنها حصلت على وقع تطورات الملف النووي الإيراني من جهة، وعلى وقع ترددات التحول الإقليمي المتمثل بانسحاب الجيش السوري من لبنان وفقاً لقرار مجلس الأمن الرقم 1559 وتشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، ويبدو أن واشنطن لم تكن بعيدة عن محاولة الاستفادة من تلك الحرب لتعويض فشلها في العراق وفي إحداث تغيرات ديموقراطية في الأنظمة التي رأت فيها مولّدا للإرهاب أو ممراً له.

ومثل "حرب يوليو" كانت أيضاً "حرب غزة" التي يفاخر خالد مشعل بالانتصار فيها فيما لا يزال أهل القطاع المشردين بفعلها يئنون من نتائجها. لكن الحربين حققتا للمحور السوري-الإيراني جملة أهداف ومكتسبات استثمرتها دمشق بشكل إيجابي في استعادتها دوراً إقليمياً مميزاً تمثل برفع الحصار والتهديدات عنها والاعتراف بها شريكاً رئيسياً في عملية السلام ومحاربة الإرهاب على السواء. أما إيران فكسبت وقتاً وأوراقاً وساحات مكنتها من إطالة المفاوضات والوصول ببرنامجها النووي إلى مراحل متقدمة، ومن تعزيز القدرات العسكرية لحزب الله وحماس بما يهدد الغرب وإسرائيل بإشعال المنطقة لو نفذا عملاً عسكرياً ضد الجمهورية الإسلامية وأحبطا طموح الملالي في تكريس إيران دولة إقليمية كبرى، لها مصالح "مشروعة" تمتد من أفغانستان مروراً بالعراق وصولاً إلى فلسطين ولبنان.

تتجمع ظروف الحرب والاستعدادات لها اليوم، لكن بشكل أكثر وضوحاً في الأسباب والأهداف. فليس في لبنان ما يدعو إلى خوض حرب خصوصاً مع وجود القوات الدولية في جنوبه، وامتناع "حزب الله" عن أي عمل عسكري استفزازي ضد إسرائيل منذ أربع سنوات، وليس ما يدعو إلى زيادة التوتر في وقت تجري الاتصالات الأوروبية والأمريكية مع سورية على قدم وساق، وتؤكد دمشق أنها ترغب في السلام، لكن ذلك لن يحول بالطبع دون انفجار الآلة العسكرية لو وجدت إسرائيل أن الموضوع النووي الإيراني أصبح مسألة وجود وليس مجرد توازن عسكري بين دولتين عدوتين. وإسرائيل في هذا الإطار قد تلجأ إلى استهداف إيران مباشرة ضامنة أنها ستجر الولايات المتحدة في ربع الساعة الأخير إلى التضامن معها في أي حال، وهنا لن يسكت "حزب الله" الذي يعتبر نفسه جزءاً من "الأمة" قبل أن يكون حزباً لبنانياً كيانياً أو طرفاً يتوجب عليه احترام إرادة دولته وسائر مكونات المجتمع.

أما الاحتمال الآخر فهو أن تدرك إسرائيل صعوبة استهداف دولة كبيرة مثل إيران فتستسهل شل ذراعها على حدودها الشمالية ليدفع لبنان بأسره ثمن "الذريعة الجاهزة" المتمثلة بالاستعدادات الفعلية والحرب الكلامية المنخرط فيها "حزب الله"، وفي كلا الحالين لن يجني لبنان إلا الدمار والخراب مهما تمكن من إيقاع الخسائر في إسرائيل ومنعها من تحقيق أهداف القتال، فلا هو سيحتل تل أبيب ولا هو بقادر على تحقيق أمنية قادة إيران في تدمير الكيان الصهيوني، وفرض الشتات مجدداً على المقيمين فيه. أما ما سيفعله أحمدي نجاد فمتروك للتطورات والأيام على أمل أن لا تقع حرب على الإطلاق، وأن يُنتج التهديد المتبادل توازناً، ما يهمُّ اللبنانيين فيه، الحؤول دون أي عدوان إسرائيلي من جهة، وعدم الإخلال بالتوازن الداخلي بقوة السلاح، وبحجة "القضية" التي تحولت إلى "قميص عثمان".

Share