لبنان.. جمر الفقر والتردي الاقتصادي ينذران بإشعال الشارع

  • 20 مايو 2020

لم تفلح كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب، التي مرّ على تشكيلها 100 يوم، في تهدئة الشارع اللبناني الذي ما يزال يغلي ويزداد احتقاناً يهدد بعودة الاحتجاجات إليه على نطاق أوسع وبشكل أكثر حدة تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والمعاناة اليومية التي باتت ترزح تحتها غالبية أبناء الشعب اللبناني، خصوصاً أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة الذين يكافحون بشكل حقيقي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم اليومية.

يبدو أن ثقة البرلمان التي تمكنت الحكومة من الحصول عليها لا تتطابق مع واقع الشارع ونظرته، ليس إلى هذه الحكومة وتشكيلتها فحسب، بل إلى الطبقة السياسية في لبنان بكل رموزها ووجوهها وقواها وتياراتها التي باتت فاقدة للثقة وحتى للأهلية في عيون اللبنانيين المطالبين برحيل كل الوجوه التقليدية عن المشهد وبإنهاء نظام المحاصصة والتقسيم الذي أتاح لشخصيات وأحزاب تلتقي مصالحها قبل أن تتوافق إراداتها ومبادئها، السيطرة على القرار السياسي واحتكار المشهد كله في هذا البلد على مدار عشرات السنين، وبالتالي إلحاق خسائر فادحة باقتصاده وإرجاعه سنوات إلى الوراء والمساهمة في تخريب بنيته التحتية والخدماتية نتيجة الفساد الذي استشرى في كل أجهزة الدولة ومفاصلها.

ولم تنجح حملات العلاقات العامة التي أطلقتها الجهات التي تقف وراء التشكيل الحكومي والمستفيدة منه في الوقت نفسه، ولا محاولات الترهيب التي مارستها في إقناع اللبنانيين بأن هناك حلولاً في الأفق وأن القادم ربما يكون أفضل، فالحال كما يقول معظم من يدلون بآرائهم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من سيئ إلى أسوأ، ومستوى المعيشة ينخفض بشكل متسارع أقرب ما يكون إلى الانهيار ودون أن تكون هناك أي محاولات جادة وفاعلة لوقفه أو الحد منه أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فقيمة العملة «الليرة اللبنانية» انخفضت إلى مستويات قياسية تآكلت في ظلها مستويات الدخول إلى حد لم تعد كافية لما يسدّ الرمق، وفقد الناس وظائفهم وارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني في بعض الأحيان، وهو ما دفع الكثيرين من أبناء الشعب اللبناني إلى الخروج مجدداً إلى الشوارع من أجل الاحتجاج على هذا الواقع برغم خطر جائحة كورونا الوبائية، وهو ما يؤشر إلى حالة من اليأس والإحباط تدق ناقوس الخطر المتمثل في وصول الكثيرين من أبناء الشعب اللبناني إلى حالة من الإحباط تدفعهم إلى وضع اللامبالاة وعدم الاكتراث بخطر الوباء وتداعياته واحتمالات الإصابة به وانتشاره.

على مدار الأيام القليلة الماضية عاد المتظاهرون اللبنانيون إلى الشارع، ونظموا وقفات احتجاج أمام مقر وزارة الاقتصاد في بيروت، نددوا فيها بالغلاء الشديد الذي يشهده لبنان، والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية والغذائية، ورددوا شعارات وهتافات تستنكر موجة الغلاء الحادة التي ضربت الأسواق، والتباين والتفاوت الكبير في أسعار السلع بين المتاجر والمحال والأسواق التجارية، و«الفوضى في الأسعار»، وطالبوا الحكومة بمراقبة الأسواق والتأكد من عدم استغلال التجار لحاجة الناس، وباتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفات المتعلقة بمواصفات السلع وأسعارها.

صحيح أن العودة هذه المرة جاءت هادئة وبقيت في إطار حدود الاحتجاج السلمي، غير أن استمرار واقع الحال على ما هو عليه واستمرار مسلسل الغلاء الفاحش والتدهور في المستوى المعيشي للناس ينذر بوجود جمر تحت الرماد قد يعود إلى الاشتعال مجدداً بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، ويدفع في اتجاه ما لا تحمد عقباه، خصوصاً في حال أصرت القوى المؤيدة للحكومة والميليشيات التابعة لها على الاستمرار في مضايقة الاحتجاجات والاعتداء على المحتجين.

في نوفمبر من عام 2019، وهو الشهر الذي اشتدت فيه وتيرة احتجاجات لبنان، حذر البنك الدولي من أن نسبة من يعيشون في فقر من سكان هذا البلد يمكن أن تزيد عن 30% إلى 50%، ومؤخراً حذرت «هيومن رايتس ووتش» من أن الملايين من سكان لبنان معرضون لخطر الجوع، واليوم يمر هذا البلد بواحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه تنذر بانهيار اقتصادي حقيقي وشامل في حال استمر ضعف الحكومات وسيطرة ميليشيا حزب الله على القرار وبقي الفساد والمحسوبيات وهروب رؤوس الأموال سيد الموقف، وهو ما ينذر بدفع البلاد نحو الجوع وانزلاقها إلى أتون الفوضى والصراعات التي لن تبقي ولن تذر، والتي أطلت برأسها من خلال مهاجمة فروع البنوك وحرقها، ومقتل أحد المتظاهرين في احتجاجات طرابلس الأخيرة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات