لبنان: تفاقم الوضع المعيشي وتعثر إعلان الحكومة الجديدة

  • 4 فبراير 2021

يشهد لبنان وضعًا مأساويًّا ربما غير مسبوق على مختلف الصعد؛ حيث تفاقمت أزمة كورونا بعد أن تجاوز عدد الإصابات حاجز الـ 300 ألف والوفيات 3 آلاف حالة؛ ويزداد الوضع المعيشي للناس سوءًا، خصوصًا مع رفع أسعار الخبز بنسبة 20 في المئة؛ وعجز الدولة عن دعم المواد الأساسية؛ في حين لا تزال معضلة تشكيل الحكومة الجديدة تراوح مكانها منذ أشهر.

إن الأزمات التي تواجه لبنان ليست جديدة؛ وهي متعددة ومتشعبة؛ فالبلاد تشهد أزمة اقتصادية حادة منذ سنوات؛ وتفاقمت مع انهيار سعر صرف الليرة بشكل دراماتيكي بعد أن فقدت نحو 80 في المئة من قيمتها، وبلغ التضخم أرقامًا قياسية، وزادت معدلات البطالة بشكل كبير. ثم جاءت أزمة كورونا لتزيد الوضع سوءًا؛ حيث فرضت الحكومة إجراءات إغلاق صارمة بعد ارتفاع حالات الإصابة والوفيات بشكل كبير إثر احتفالات رأس السنة التي شهدت انفتاحًا تسبب في تفشي المرض، وارتفاع الحالات الحرجة التي لم تستطع المستشفيات استيعابها؛ ما اضطر الناس إلى الاعتناء بذويهم في المنازل. وهذا ما أنعش السوق السوداء لأجهزة التنفس التي وصلت قيمة الواحد منها إلى نحو 7500 دولار عبر الإنترنت؛ وكذلك عبوات الأكسجين التي يتسابق الكثير من الناس المصابين وغير المصابين لشرائها وتخزينها تحسبًا لأي طارئ؛ وأصبحت البلاد مهددة فعلًا بالانهيار الصحي بعد أن وصلت إلى حافة الانهيار الاقتصادي أيضًا.

هذه الأوضاع المتردية دفعت الناس للخروج إلى الشارع والتعبير عن الغضب؛ حيث خرجت احتجاجات كان أكبرها في طرابلس التي شهدت خلال الأيام القليلة الماضية مواجهات واسعة بين المحتجين الغاضبين من الإغلاق وسوء الأحوال المعيشية وقوات الأمن التي اضطرت إلى استخدام القوة لتفريق المتظاهرين وإخلاء الساحات وسط المدينة.

يتزامن كل هذا مع استمرار الأزمة السياسية؛ حيث يتعثر إعلان الحكومة الجديدة برئاسة سعد الحريري الذي تم تكليفه منذ أكثر من ثلاثة أشهر بتشكيلها خلفًا لحكومة حسَّان دياب التي استقالت في 10 أغسطس 2020 إثر الانفجار الضخم الذي هز العاصمة اللبنانية مطلع ذلك الشهر. وهناك خلافات حادة بين القوى السياسية حول شكل الحكومة وطبيعة التمثيل فيها؛ فالحريري يريدها من الاختصاصيين، بينما يريدها «التيار الوطني الحر» بزعامة جبران باسيل، صهر الرئيس ميشيل عون، أن تكون حزبية.
وقد تعقدت الأزمة إثر الاتهامات المتبادلة بين الرئيس عون والرئيس المكلَّف سعد الحريري بالمسؤولية عن تأخر إعلان الحكومة؛ كما تصاعد السجال بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر؛ وكل هذا يتمحور حول الحصص الوزارية؛ فالرئيس يطالب بنصيبه الذي أُقرّ في اتفاق الدوحة عام 2008، وتم الالتزام به في الحكومات المتعاقبة؛ بينما يرى الحريري أن هذا الأمر ليس له سند دستوري، وإنما هو عرف يتم احترامه في ظل توازنات معينة. ويتهم الحريري الرئيس والتيار الوطني الحر بأنهما يريدان الحصول معًا على ما يسمى «الثلث المعطّل» أي سبعة وزراء من أصل 18 وزيرًا؛ وهو ما نفته رئاسة الجمهورية التي أكدت أن المشكلة تكمن في عدم احترام الحريري لمبدأ «وحدة المعايير» في التشكيلة الوزارية التي قدمها إلى الرئيس عون، وعدم تمثيل فريقين مسيحيين رئيسيين بشكل مناسب في الحكومة، وهما حزب القوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر.

وهكذا تبدو الأزمة في لبنان مركَّبة ومعقَّدة؛ وفي ظل تمسّك كل فريق بموقفه، فقد لا يتم إعلان الحكومة الجديدة قريبًا؛ حيث يتطلب الأمر مزيدًا من الوقت والتشاور؛ ولكن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه زيارة لبنان للمرة الثالثة قد يُشكِّل مع الاحتجاجات الأخيرة بطرابلس عاملَ ضغط على أطراف الأزمة؛ حيث تستهدف الزيارة -كما أعلنت مصادر دبلوماسية فرنسية- الإشراف مباشرة على وضع آلية تنفيذية للمبادرة الفرنسية لدعم لبنان، التي أول بنودها أو بالأحرى شروطها، هو تشكيل حكومة جديدة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات